أتيتُ بِجَرَّتي

٥٠-أتيتُ بِجَرَّتي.


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/١١/١٠هـ

🔗 سلسلة: وصال (٥٠). 


استدعى أحدُ الخلفاء شعراءَ مصر، فصادفهم في طريقهم رجلٌ فقير، شاعرٌ، يحمل جرّةً فارغة، متوجّهًا إلى البحر ليملأها ماءً، فصحبهم حتى بلغوا دار الخلافة.


فبالغ الخليفة في إكرامهم، وأغدق عليهم من عطائه. فلمّا وقع بصره على ذلك الرجل، والجرّة على كتفه، وثيابه الرثّة، قال:

— من أنت؟ وما حاجتك؟


فأنشد الرجل قائلًا:


ولمّا رأيتُ القومَ شدّوا رحالهمُ//إلى بحرِك الطامي، أتيتُ بِجَرَّتي.


فقال الخليفة:

— املؤوا له الجرّة ذهبًا وفضّة.


فحسده بعض الحاضرين، وقالوا للخليفة:

— هذا فقيرٌ مجنون، لا يعرف قيمة هذا المال، وربما أتلفه وضيّعه.


فقال الخليفة:

— هو ماله، يفعل به ما يشاء.


فمُلِئت جرّته ذهبًا، فخرج إلى الباب، ووزّع المال على الفقراء جميعًا.


فبلغ ذلك الخليفة، فاستدعاه وسأله عن صنيعه، فقال:

يجودُ علينا الخيرون بمالهمُ//ونحنُ بمالِ الخيرين نجودُ.


فأُعجب الخليفة بجوابه، وأمر أن تُملأ جرّته عشر مرّات، وقال:

— الحسنة بعشر أمثالها.


فأنشد الفقير هذه الأبيات التي تناقلها الناس عبر القرون:


الناسُ للناسِ ما دام الوفاءُ بهمُ//والعسرُ واليسرُ أوقاتٌ وساعاتُ.


وأكرمُ الناسِ ما بين الورى رجلٌ//تُقضى على يده للناس حاجاتُ.


لا تقطعنّ يدَ المعروفِ عن أحدٍ//ما دمتَ تقدرُ، والأيّامُ تاراتُ.


واذكرْ فضيلةَ صُنعِ الله إذ جُعلتْ//إليكَ، لا لكَ، عند الناس حاجاتُ.


فمات قومٌ وما ماتت فضائلهمُ//وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ.


رحم الله من جاد، وقبَّح الكِبر، ومحَقَ الحسد؛ فما أفسد القلوبَ مثلُهما، ولا أضاع مقاديرَ الناس إلا الجهلُ بمنازلهم.


ويبقى ذلك البيت شاهدًا خالدًا على سموِّ العطاء، ونُبلِ السخاء.


يجودُ علينا الخيرون بمالهمُ//ونحنُ بمالِ الخيرين نجود.


أخيرًا: وقفة.


الجودُ بابٌ عظيمٌ من أبواب الرزق، ودلالةٌ صادقة على نفسٍ زكيّةٍ تسمو عن فتات الدنيا وصغائرها. وصاحبُه لا يتخلّى عنه، مهما عذله العذّال، أو ضاق به الحال، أو تنكّر له الحاسدون وأصحاب النفوس المريضة.


وأسمى مراتب الجود ما كان سجيّةً خالصة، لا يُبتغى بها إلا وجه الله، ولا يُنتظر منها جزاءٌ ولا مردود، ولا يتتبّع صاحبُها أهلَ الجاه والمناصب طمعًا فيما بأيديهم، أو طلبًا لثناءٍ يُقال، أو ذكرٍ يُشاع.


ويدخل في الجود الترفّع عن صغائر الأمور، كترك الظلم، والنكران، والجحود، وأكل أموال الناس بالباطل. ومن أبعد الناس عن الجود من يستغل زوجته أو أبناءه، فيسلب حقوقهم طمعًا في المال، أو تحت وطأة ضغوطٍ يفرضها عليهم بغير حق.


والكريمُ بحقٍّ لا يظلم، ولا يسرق، ولا يُسرف، ولا يخدع، ولا ينمّ، ولا يتآمر؛ بل تجده جامعًا لمكارم الأخلاق، متحلّيًا بها بجدارة. وإن أخطأ يومًا، جبر كرمه وجوده زلّته، حتى كأنها لم تكن.


وبهذا أصل معكم إلى ختام هذه السلسلة المباركة، سائلًا الله أن يجعلني وإيّاكم مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر. وبعد شكري لإصغائكم وتفاعلكم مع هذه السلسلة، أقول: زادكم الله علمًا وتألقًا، ورفع قدركم في الدنيا والآخرة.


أستودعكم الله، وأستودعه دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم.


حفظكم الله ورعاكم.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ