مكانة وقيادة عبر التاريخ

 ١٤- "مكانة وقيادة عبر التاريخ”


✍🏻 بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📆 –١٤٤٧/٠٢/٢٤هـ

سلسلة: وصال (١٤)


ورث أبناء هذه الأرض المباركة مسؤولية الريادة والتنظيم والتأثير منذ عصور سحيقة، حتى أكرمهم الله بنعمة الإسلام، فازداد عبؤهم شرفًا، وترسّخ في الوجدان الإنساني، من مشارق الأرض إلى مغاربها، نموذج العربي الشجاع الذي اختاره الله لحمل رسالة خالدة موجهة إلى البشرية جمعاء. وقد أداها بحق، متحلّياً بالخلق الكريم، والصبر الجميل، والأمانة العظيمة.

فغدت العزة والتمكين مسؤولية مضاعفة في عنقه، وما زالت كذلك إلى يومنا هذا، وستظل، بإذن الله، قائمة إلى يوم الدين.


فهذه قبيلة قريش، صاحبة الزعامة والسقاية والرفادة، والمسؤولة عن تأمين وإدارة شؤون حجاج بيت الله الحرام في مكة المكرمة قبل الإسلام، كانت تمثل مركزًا للقيادة والتنظيم في جزيرة العرب. وهم أيضًا أهل التجارة والرحلات الموسمية، من اليمن إلى الشام، في رحلتي الشتاء والصيف، بما يعكس شجاعة العربي وخاصة صاحب هذه الأرض المباركة، وبُعد نظره، وقدرته الفائقة على التنقل الآمن في زمنٍ لم يكن يؤمَن فيه على الأنفس والأموال إلا لمن كان قويًا.


ثم جاء الموقف العربي المشرّف في يوم ذي قار، حين انتفضت القبائل العربية ضد الفرس، فكسروا شوكتهم كسرًا لم يُجبر بعده، فكان ذلك من إرهاصات النبوة، وتمهيدًا لبزوغ فجر الرسالة، وبداية صعود أمة حملت مشعل الدين، وقادت العالم في مجالات العقيدة والسياسة والعلم.


وفي هذه الحقبة المفصلية في تاريخ الأمة، وفي مشهد له دلالته العميقة، يؤمّ وزير خارجية المملكة العربية السعودية مجموعةً من المصلين في المسجد الأموي بدمشق، في صورة تعكس رمزية الحضور، وقيادة الموقف، واستمرار الدور التاريخي لأبناء هذه البلاد المباركة في لمّ الشمل، وقيادة الصف، والتأكيد على وحدة الأمة.


من الذاكرة:

تشرفتُ بزيارة المسجد الأموي في دمشق عام 1417هـ، برفقة زميلين فاضلين، ولا تزال تلك الزيارة ماثلة في وجداني بما حملته من دهشة وتأمل.


فقد وجدنا المسجد آنذاك مزارًا سياحيًا بالدرجة الأولى، حيث لم يكن مهيأً لأداء الصلوات الخمس، ولا يُسمح فيه بالجلوس للعبادة أو التأمل. وقد ذكر لي أحدهم أن صلاة الجمعة تُقام فيه فقط، لكني لا أملك ما يؤكد صحة ذلك.


أذهلتنا عمارته العتيقة، التي تنطق بجمال التاريخ، وتحمل رسالة عميقة عن تسامح المذاهب الإسلامية، وحرصه على طابعه المعماري الأصيل، بما فيه من زخارف إسلامية نادرة، وآيات كريمة، وأبيات شعرية خالدة، تنطق بجمال الذوق وعراقة الحضارة.


كان يتوسط فناءه الواسع خزنة بيت المال، المشيدة على عمود واحد، والتي يُقال إنها كانت تضم مخطوطات وكنوز ثمينة. وكان عبق بني أمية يفوح من جنباته، ويأخذك التفكير إلى ذلك الزمن، إلى عصور القوة والنهضة.


ثم أن وسط دمشق آنذاك يستند إلى ضفاف نهر بردى، وكأنّ ماءه العذب الزلال لا يزال يجري رقراقًا في الذاكرة، رغم أن حقيقته اليوم أصبحت مؤلمة؛ فلا يوجد فيه سوى ماء آسن ضعيف الجريان، بعدما زاحمته كتل الإسمنت، وحُوصرت منابعه بالسدود، لتُنشأ عليها محطات التحلية.


فمن يُبلغ المعري، وأحمد شوقي، وسائر شعراء الشام العظام، أن نهر الإلهام الذي تغنّوا به، قد غاض ماؤه وتبدّلت معالمه؟!


أخيرا:

كاد الفرح يطير بي وأنا أرى المسجد الأموي العظيم يعود إلى واجهة الاهتمام، ويصبح من أوائل محطات زوار دمشق، ومن بينهم الشاب الشجاع، الوزير النبيل لدولتنا المباركة: الأمير فيصل بن فرحان.

نسأل الله أن يعيد إلى سوريا أمنها وأمانها، وخيراتها وحدائقها الغنّاء، ومصايفها الخلابة، وشواطئها الساحرة.


ومع الشعر الصادق:

سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ//وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ.

وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي//جَلالُ الرُّزْءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ.

وَذِكرى عَن خَواطِرِها لِقَلبي//إِلَيكِ تَلَفُّتٌ أَبَدًا وَخَفقُ.

وَبي مِمّا رَمَتكِ بِهِ اللَيالي//جِراحاتٌ لَها في القَلبِ عُمقُ. 


"أحمد شوقي"


حفظكم الله ورعاكم.

IMG_1419.jpeg

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء