كرامة ودهاء

 ١٨- كرامة ودهاء. 


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 "جمع وإعداد"

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٣/٢٣هـ

  • وصال (١٨)



هند بنت عتبة والفاكه بن المغيرة:

كان الفاكه بن المغيرة المخزومي أحد فتيان قريش المعروفين، وقد تزوج من هند بنت عتبة، المرأة الذكية الحازمة، التي عُرفت لاحقًا بصلابتها ودهائها في الجاهلية والإسلام.


كان للفاكه بيت ضيافة مفتوح، يرتاده الناس بلا إذن، وذات يوم، جلس فيه مع زوجته هند، ثم خرج عنها وتركها نائمة، فجاء أحد الزائرين ممن اعتادوا دخول البيت، فلما رأى المرأة نائمة انصرف فورًا.


ولكن الفاكه قابله عند خروجه، فاستنكر وجوده، ثم دخل على هند وقال لها:

“من هذا الخارج من عندك؟”

فقالت: “والله ما انتبهت حتى أيقظتني، وما رأيت أحدًا قط!”

فقال: “الحقي بأهلك!”، وبدأ الناس يَخوضون في الأمر.


أولا:

موقف أبيها عتبة بن ربيعة.

عادت هند إلى والدها عتبة بن ربيعة، فاستقبلها بكلمة تحمل التهديد والتبصر:

“يا بنيتي، العار وإن كان كذبًا! 

بثي إليَّ شأنك، فإن كان الرجل صادقًا دسست من يقتله، فينقطع العار، وإن كان كاذبًا حاكمته إلى بعض كهان اليمن.”


فقالت: “والله يا أبتِ إنه لكاذب!”

فذهب عتبة إلى الفاكه وقال: “لقد رميت ابنتي بما هو عظيم! فإما أن تُبيِّن، أو حاكمني إلى كاهن من كهان اليمن.”

فوافق الفاكه، وخرج معه جمع من رجال قريش ونساء من بني مخزوم، وخرج عتبة برجال من بني عبد مناف.


ثانيا:

بين يدي الكاهن.

وحين شارفوا بلاد الكاهن، تغير وجه هند، فاستغرب أبوها وقال:


“أي بنية، أما كان خيرًا من هذا أن يكون قبل أن يُشهر في الناس أمرنا؟”

فقالت: “يا أبتِ، ليس ذلك لمكروه في قلبي، ولكنكم تأتون بشرًا يُخطئ ويُصيب، ولعله يسمّيني بسُبة تبقى على ألسنة العرب!”


قال: “صدقتِ، لكني سأجربه لك، أي سأختبره.”

ثم أخرج عتبة حبة بُرّ، وأدخلها في إحليل فرسه، ثم وكى عليه (أي شدّه برباط)، وساروا حتى وصلوا إلى الكاهن.


رحب الكاهن بهم، ونحر لهم، 

فقال له عتبة:

“قد أتيناك في أمر، وقد خبأنا لك خبيئة، فما هي؟”

فقال الكاهن: “بُرة في كُمرة!”

قال عتبة: “أريد أوضح من هذا.”

قال: “حبة بُرّ في إحليل مهر!”

قال عتبة: 

“صدقت، فانظر في أمر هؤلاء النسوة.”


فبدأ الكاهن يمسح على رؤوس النساء واحدة تلو الأخرى، ويقول: “قومي لشأنك”، حتى إذا بلغ هند، مسح على رأسها، ثم قال:

“انهضي غير رقحاء ولا زانية، وستلدين ملكًا يُدعى معاوية!”


ثالثا:

المفارقة الحاسمة.

فلما خرجوا، أخذ الفاكه بيد هند، فنثرتها من يده وقالت له:


“إليك عني! والله لأحرصن أن يكون ذلك الولد من غيرك!”


ثم تزوجت من أبي سفيان بن حرب، فولدت له معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية.


أخيرا:

يستفاد من القصة:

١.خطر التسرع في الحكم: 

تهمة الفاكه لزوجته دون بينة أو تثبت، وسوء ظنه كادت أن تهدم بيت والد هند وتلطخ سمعةً.


٢.حكمة الكبار: 

موقف عتبة بن ربيعة يُبرز فطنة العقلاء في معالجة الأزمات؛ فقد جمع بين الحزم والعدل والحرص على صون العرض.


٣.دهاء هند وذكاؤها: 

لم تستسلم لموجة الافتراء، بل واجهت الأمر بثقة وقوة شخصية، فنجت من العار وصنعت لنفسها مجدًا لاحقًا.


٤.دور القضاء العادل: 

اللجوء إلى الكاهن – وكان حكمه نوعًا من القضاء في الجاهلية، - وهو غير جائز بعد أن أكرمنا الله بالإسلام– أزال اللبس، وأبان البراءة.


٥.الأثر البعيد للقرارات: 

كلمة هند الحاسمة بعد الكهانة (“لأحرصن أن يكون الولد من غيرك”) تحولت إلى منعطف تاريخي؛ إذ كانت تنم عن الكرامة والاعتداد بالنفس والعزة، وقد جاء من نسلها معاوية بن أبي سفيان، مؤسس دولة.


٦.العار قد يلتصق بالكذب كما بالصدق: لذا كان عتبة حريصًا على وأده من أوله بالحكمة لا بالعاطفة.


٧.المجالس المفتوحة قد تكون سببًا للفتنة: بيت الضيافة المفتوح للداخل والخارج بلا رقابة، كان مدخل سوء الظن ومثار الفتنة.



الخلاصة (خاتمة):

إن قصة هند بنت عتبة مع الفاكه بن المغيرة لوحة بليغة من التاريخ، تبرز كيف يمكن للظن السيئ والتسرع في الأحكام أن يشعل الفتنة، وكيف تحسم الحكمة والدهاء الموقف، لتصنع منعطفًا تاريخيًّا غيّر مجرى الأحداث في العرب والمسلمين.


هذا مع تمنياتي لكم بالستر والعافية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

مكانة وقيادة عبر التاريخ