نار الدنيا الحارقة

 ٤٧- نار الدنيا الحارقة


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 إعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/١٠/١٨هـ

  • سلسلة: وصال (٤٧)


أهلُ الكرم، وأصحابُ الشّيمة، والصدقِ، والوفاءِ، حاضرون حولنا في كل زمانٍ ومكان، ويُهوِّنون علينا آلامنا ومتاعبنا، ويضفون على الحياة نكهةً خاصة، ولونًا من الطمأنينة والرضا.


ومع كثرتهم، لا تخلو الحياة من معاولَ للهدم والتخريب، وتمردٍ على الفطرة والقيم والقوانين، في مشهدٍ يبعث على الحزن حينًا، وعلى الدهشة أحيانًا أخرى.


هذا التباين الصارخ بين الخير والشر، بين البناء والهدم، ليس أمرًا عارضًا، بل هو منسنن الحياة التي لا مفر منها، ويلزمنا التعايش معها بقلبٍ قوي، ونفسٍ صابرة، وبصيرةٍنافذة ترى ما وراء الظواهر.


وعزاؤنا أن بذورَ الشرِّ والفتنة لا تنبت في كل أرض، بل لا تنبت إلا في التربةِ السَّبِخة التي لا بركة فيها ولا خصب، بينما تظلُّ الأراضي الطيبة، المجبولةُ على الخير والصلاح، ترفض كلَّ ما يتعارض مع طهارتها ونقائها.


وهكذا، تظل الحياة في تقلب وتنوع، تتراوح بين مشاهد من النور ومواقف من الظلمة،في تباين يثير في النفس التأمل والتساؤل؛ بل أحيانًا العجب الشديد.


وأردد دائمًا أن ما يُبنى في شهر أو سنة أو حتى في عقودٍ من الزمن، قد يُهدم في لحظةأو ساعة أو يوم، حسب عمق التأثير، وهشاشة الأساس، وضعف المُتلقّي أمام موجاتالهدم والتشويه، أمام غزو الثعالب البشرية، التي لا تنشط إلا عند حلول الظلام.


ومن رحمة الله بعباده، أن جعل لهم من كتابه الكريم سورًا وآياتٍ تحفظهم وتحصِّنهم،وتضيء لهم الطريق في الظلمة، وتحميهم من تلك الكائنات النتنة "أعزكم الله"


ثم أنه ورد في السنة النبوية ما يبين فضل قراءة تلك السور في أول النهار وآخره، وعندالنوم، وفي حال وقوع مكروه، لما فيها من حماية "بإذن الله" وأمانٍ وطمأنينة ورباطٍروحي لا يُقدَّر بثمن


نعم، إنه كلام خالقنا الذي يعلم من أنفسنا ما لا نعلمه نحن، ويعلم ماضينا وحاضرناومستقبلنا، ويعلم أسرارنا وما يُصلح لنا حياتنا.


ألا إنها سورة الفلق: 

﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2)وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3)وَمِن شَرِّٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ (4)وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾.


وقد تضمن تفسير بعضٍ منها ما يلي:

"ومن شرِّ النفاثات في العقد": أي من شرِّ النمَّامين الذين يقطعون أواصر المحبة،ويبدِّدون شمل المودَّة.

فـ(النميمة) تكاد تكون ضربًا من السحر، إذ تحوِّل ما بين الأخوين أو الزوجين أوالصديقين من محبة إلى عداوة، عبر وسيلة خفية كاذبة، وقد يصل ذلك الضرر إذا ضعفت الأنفس، ما بين الوالد وولده والعياذ بالله.


إنها تخدع الوجدان، وتضلِّل العقول، كما يضلِّل الليل من يسير فيه بظلمته، ولهذاجاءت النميمة في الآية الكريمة بعد ذكر الغاسق إذا وقب، لما بينهما من اشتراك فيالخفاء والتسلُّل.

ولا يسهل على أحد أن يحتاط تمامًا من خطر النمَّام، إذ قد يتسلل إلى القلب بما يشبهالصدق، فلا يكاد الإنسان يُكذِّبه، إلا أن يستعين بقوة أعظم من قوته، وببصيرة أصفىمن بصره.


وهنا يجب التحذير من أثر النميمة على جميع فئات المجتمع، قريبهم وبعيدهم،وخاصة من ينضوي تحت عنوان "الأسرة" بمفهومها العريض؛ بل وعلى أصغر حلقاتها،ممثلةً في العلاقة بين الزوج وزوجته، أو بين الولد ووالده، أو بين الأخ وأخيه.

فلا ينجو من هذا الشر المستطير إلا من رحمه الله، وأنار بصيرته، ووقاه شرور شياطينالإنس والجننعوذ بالله من شر النميمة وأهلها.


يقول الله في محكم كتابه:

﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن جاءَكُم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوا أَن تُصيبوا قَومًا بِجَهالَةٍ فَتُصبِحوا عَلىما فَعَلتُم نادِمينَ﴾.


وقال النبي ﷺ:

 "لا يدخل الجنة نمام" (متفق عليه).


وقال أكثم بن صيفي لبنيه: "إياكم والنميمة؛ فإنها نار محرقة، وإن النمام ليعمل في ساعة ما لا يعمل الساحر في شهر".

 

وقال أحَدُ الشُّعَراءِ:

تنحَّ عن النَّميمةِ واجتَنِبْها

فإنَّ النَّمَّ يُحبِطُ كُلَّ أجْـرْ

يثيرُ أخو النَّميمةِ كُلَّ شَرْ

ويَكشِفُ للخلائِقِ كُلَّ سِرْ

ويَقتُلُ نفسَه وسِواه ظُلمًا

وليس النَّمُّ من أفعالِ حُر


حمانا الله وإياكم من النار وشر الأشرار.

هذا ولكم خالص ودي وتقديري.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ