سلمان الفارسي

 ٤٤- سلمان الفارسي.


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٩/٢٧هـ

🔗 سلسلة: وصال (٤٤)


أولا:

سلمان الفارسي قبل الإسلام:

 يعود أصل الصحابي الجليل سلمان الفارسي -رضي الله عنه- إلى بلاد فارس، وتحديدًا من بلدة تُسمّى “رامهرمز”، وقيل: من إحدى مدن “أصبهان”. وكان اسمه قبل الإسلام: مابه بن بوذخشان. وقد نشأ مجوسيًّا، إذ كان قومه يعبدون النار، وكان يتولى تزويدها بالحطب ورعايتها حتى لا تنطفئ، نظرًا لمكانة والده الذي كان من زعماء القرية، ويُعرف عندهم بلقب “الدهقان”. وكان سلمان أحبَّ أبنائه إليه.


وذات يوم، وبينما كان والده منشغلًا ببناء جدارٍ، أرسله إلى المزرعة ليجلب له شيئًا منها، فمرّ في طريقه بكنيسة، فاستوقفته أصوات صلاتهم، فدخلها، وتأثر بما سمع ورأى من عبادتهم، فوقعت النصرانية في قلبه، وبقي عندهم حتى غروب الشمس. فسألهم عن أصل دينهم، فأخبروه أن أصله في بلاد الشام.


فلما بلغ أبا‌ه خبر ميل سلمان إلى النصرانية والكنيسة، حبسه وقيّده بالسلاسل خشية أن يترك دينهم. فأرسل سلمان إلى النصارى يُخبرهم بقصته، ويسألهم أن يُعلموه إذا حضر وفدٌ منهم متوجه إلى بلاد الشام. فلما قدم الوفد، أخبروه، فتمكّن من نزع القيود عن قدميه، وخرج معهم قاصدًا الشام، باحثًا عن الحق الذي لامس قلبه.


وحين وصل، لزم أحد أساقفتهم، وخدمه، لكنه فوجئ بسوء خُلقه؛ فقد كان ذلك الأسقف يحث الناس على الصدقة، ثم يكنزها لنفسه دون أن ينفقها في مواضعها. فلما مات، كشف سلمان للناس حقيقته، فأخرجوا كنوزه وصلبوه. ثم أقاموا مكانه أسقفًا آخر، كان من أهل الصلاح والزهد، حتى قال سلمان: “ما رأيت رجلًا على دين المسيح أفضل منه”.


ولما حضرت ذلك الأسقف الوفاة، قال له سلمان: “يا فلان، إنك تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي؟ وبمن تأمرني أن أتبعه؟”

فقال له: “يا بُني، والله ما أعلم أحدًا اليوم على مثل ما كنّا عليه، ولكن قد أظلّ زمان نبيّ يُبعث بدين إبراهيم، يخرج في أرض العرب، في أرضٍ بين حرّتين، ذات نخل، يهاجر إليها، وله علامات لا تخفى: بين كتفيه خاتم النبوة، ويقبل الهدية، ولا يأكل الصدقة.


وكما ذكرنا سابقًا، فإن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- بعد وفاة الراهب في عمورية، بقي هناك حتى أقبل إليها نفر من العرب من قبيلة كلب، فعرض عليهم أن يعطيهم ما كان يملك من غنمٍ وبقر مقابل أن يُوصلوه إلى أرض العرب، فوافقوا على ذلك. لكن ما إن بلغوا وادي القُرى — المعروف اليوم بـ”العُلا”، ويقع بين المدينة والشام — حتى غدروا به في الطريق، حيث باعوه عبدًا لأحد اليهود، ليبدأ بذلك فصلٌ جديد من رحلته الطويلة في طلب الحق، والتي ستقوده، رغم العبودية والضيق، إلى المدينة المنورة، حيث اللقاء الموعود بالنبي محمد ﷺ..


حيث ساقه سيده اليهودي إلى المدينة، وحين دخلها، وقع بصر سلمان على النخل المنتشر في أرجائها، فتذكر وصف الراهب لتلك الأرض، فأدرك أن ما بُشّر به قد يكون قاب قوسين أو أدنى.


وبقي سلمان يعمل في المدينة عبدًا، يترقّب الأخبار، حتى جاءه يومٌ سمع فيه رجلًا يُخبر بأن محمدًا ﷺ، النبيَّ الذي يُنتظر، قد خرج من مكة، وقدم المدينة، وجلس بين أصحابه. فكان لهذا الخبر وقعٌ عظيم في قلب سلمان، حتى إن بدنه ارتعد، وأصابته رعدة شديدة من هول ما خالط قلبه من رجاء وصدق وتشوّق.


ولمّا حضر المساء جاء إلى النبيّ محمد -عليه الصلاةُ والسلاموهو في قُباء، ومعهشيءٌ من التمر، فأخبره أنّه أحضره لوجود بعض الفُقراء من الصحابة، فلما أخذها ولميأكُل منها؛ كانت تلك العلامة الأولى -أنّ النبيّ لا يأكل الصدقة-، ثُمّ رجع إليه مرةً أُخرىوقال له: هذه هديةٌ لك، فأكل منها، فتحقّقت عنده العلامة الثانية التي أخبره بها راهبعمورية، ثُمّ تبعه في جنازةٍ إلى البقيع، ولما رآه النبيّ محمد -عليه الصلاةُ والسلاموعلم مُراده كشف له عن خاتم النُّبوة، فلما رآه قبّله وبكى.


حثّ النبيّ محمد ﷺ سلمان الفارسي -رضي الله عنه- على أن يسعى لتحرير نفسه من العبودية بالمكاتبة، وكان حينها عبدًا عند رجل من اليهود في المدينة. فذهب سلمان إلى سيّده، وعرض عليه أمر المكاتبة، فوافق على أن يكاتبه مقابل أن يغرس له ثلاثمائة نخلة، وقيل: خمسُمائة من صغار النخل، إضافة إلى أربعين أوقية من الذهب.


فأسرع سلمان إلى النبي ﷺ، وأخبره بما اتفق عليه مع سيده، فدعا النبي أصحابه الكرام إلى إعانته، فتسابقوا في مساعدته، وجمعوا له فسائل النخل. ثم شاركوه في حفر الأرض، وكان النبي ﷺ يغرس النخل بيده الشريفة، فقال سلمان: “فما ماتت واحدةٌ منهن”، أي لم تهلك أي فسيلة، بل نمت كلها ببركة يد رسول الله ﷺ.


وبعد ذلك، جاءه رجل ومعه قطعة من الذهب كأنها بيضة دجاجة، فأخذها سلمان وباعها، فبلغ ثمنها أربعين أوقية من الذهب، تمامًا كما اشترط سيده. فدفعها إليه، وبهذا تحرّر سلمان الفارسي -رضي الله عنه- من رق العبودية، ليصبح من كبار الصحابة ومن أعظم من ضربوا أروع الأمثلة في طلب الحق والثبات عليه.


مكانة سلمان الفارسي وفضله:

كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- مثالًا عظيمًا في الإيمان، والعلم، والزهد، حتى لُقِّب بـ “ابن الإسلام”، و**“سلمان الخير”**، لما عُرف به من رجاحة العقل، وصفاء القلب، وصدق الطلب. كان من كبار الصحابة، ومن أسبقهم إلى الإسلام، خدم النبي محمد ﷺ عن قُرب، فروى عنه عددًا من الأحاديث، وأخرج له الإمام البخاري أربعة أحاديث في “صحيحه”

وقد شهد غزوة الخندق وسائر المشاهد مع النبي ﷺ، وكان له دور بارز فيها، كما شارك لاحقًا في فتح العراق، وتولّى إمارة المدائن زمن الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهي من أهم مدن العراق آنذاك، وكان مثالا في الكسب الحلال والأكل من كسب اليد.


اختلف المهاجرون والأنصار في نسبه إليهم، فكل فريق أراد أن يُلحقه به لشدة حبّهم له، فقال المهاجرون: “سلمان منا”، وقال الأنصار: “بل سلمان منا”.

فحسم النبيّ محمد ﷺ هذا الخلاف بكلمة خالدة، فقال:

“سلمان منا أهل البيت”، [رواه الحاكم وصححه الألباني]، فكانت شهادة عظيمة في فضله، ومكانته، وقربه من رسول الله ﷺ.


وقد أخبر النبي ﷺ عن حبه لسلمان، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، أنه قال عن أربعةٍ من الصحابة:

“إنّ الجنة لتشتاق إلى علي، وعمّار، وسلمان، والمقداد”.

وفي رواية أخرى:

“أربعة يحبهم الله: علي، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد”.


صور من زهد سلمان:

ومن شواهد زهده وعدله، أنه جاءه يومًا خمسة آلاف درهم وهو والٍ وأمير، فما أبقى منها شيئًا لنفسه، بل وزّعها كلها على الرعية، محتسبًا الأجر عند الله، ومُظهرًا أمانته وعدله وتقواه. وكان يقول:

“إنما الخلافة أمانة، لا كرامة”.


ومن صور زهده أيضا، أن عرض عليه أن يبني له بيتًا بعد عودته للمدينه، فوافق سلمان، ولكن بشروطه، حيث قال له: “ابن لي على قدر حاجتي”.

فقال الرجل: “وكيف تكون حاجتك؟”

فقال: “إذا جلستُ فيه مسّ رأسي السقف، وإذا نمتُ فيه مسّت رجلاي الجدار”.


فكان بيته صغيرًا ضيّقًا، لا يزيد عن قدر جسده، لأنه لم يكن يرى في الدنيا دار إقامة، بل محطة مؤقتة للعبور إلى الآخرة، فسَمت همّته، وزهد في زخرفها، وصدق في طلب ما عند الله


بلاغة سلمان:

عرف أن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- كان واعظًا بليغًا، صاحب قلب نقي ولسان صادق، يدعو إلى مكارم الأخلاق بأسلوبٍ مؤثرٍ نابعٍ من التجربة والإيمان. وذات يومٍ، وعظ الناس، فحثّهم على الحياء، مبيّنًا عِظم شأنه ومكانته في الإسلام، فقال:


“إن الحياء لا يأتي إلا بخير، ومن نُزع منه الحياء، كان مقيتًا ممقتًا”.


خاتمة

بهذا السلوك النقيّ، جسّد سلمان روح الإسلام في أسمى معانيها، حيث تذوب الفوارق بين الغني والفقير، والأمير والمأمور، وتعلو القيم على المصالح، ويُصبح همّ المؤمن نشر العدل، وخدمة الناس، والارتقاء بأخلاقهم وإيمانهم.


حفظكم الله وتقبل منا ومنكم الصيام والقيام.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ