بكاء بلا دموع
٣٩- بكاء بلا دموع
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٨/٢١هـ
🔗 سلسلة: وصال (٣٩)
الحزن:
الحزنُ في عمومه هو شعورٌ إنساني طبيعي يعتري النفس عند مواجهة ألم، خسارة، أو فقدان، يترك أثرًا عاطفيًا داخليًا، قد يكون خفيفًا أو شديدًا، قصيرًا أو ممتدًا، ويعبّر عن تأثر القلب بالمواقف المؤلمة، دون أن يفقد الإنسان القدرة على التفكير أو الاستبصار.
أنواع الحزن:
الحزن، إجمالًا، له ثلاثة أنواع. سنمرّ على اثنين منهما بإيجاز، ثم نُطلّ على النوع الثالث، لأهميته وعمق أثره في النفوس، ألا وهو الحزن الجميل، ذلك الذي يحمل في طياته الألم والسمو معًا.
١- الحزن العابر:
خفيف، سريع الزوال، يرتبط بموقفٍ أو حدثٍ وقتي.
٢- الحزن المزمن المذموم:
هو الحزن الذي يظهر على شكل تململ وسخط وعدم رضا، ثم يتغلغل في النفس ليصبح أحيانًا كآبة إن لم يُعالَج بالرضا والإيمان.
٣- الحزن بلا دموع:
وهو ما أشرتُ إليه بالبكاء بلا دموع، وحقيقته أنه حزنٌ ناضج لا يحتمله إلا الإنسان الراقي؛ إذ لا يورث سخطًا ولا كراهية، بل يُثمر صبرًا وفهمًا عميقًا للحياة، نعم ، يجمع بين الألم والعظمة، ويترك في النفس بصمةً من الحكمة والصفاء.
إلا أنه حزنا ليس سهلا على نفس الإنسان، فبه تبكي القلوب قبل العيون؛ إذ هو حزنٌ عميق، صامت، مقيم، أبديّ، غير قابلٍ للبوح. يستوطن القلب، وتأبى الدموع أن تستجيب له.
له بريقُ ألمٍ في مقلة العين، لا تُغيّره السنين. إنه حزنُ العمر، الناتج عن أحداث لا تُبوح، ومشاعر لا يصلح الإفصاح عنها، وخذلانٌ تكرّر حتى أصبح مألوفًا.
نعم، على الرغم من أن الحزن الجميل هو حزن الكرماء والنبلاء، إلا أنه أقسى أنواع الحزن، لا يحتمله إلا أرقى البشر؛ أولئك أصحاب القلوب الكبيرة، الذين لا يشتكون ولا يتذمّرون، ويرفضون إزعاج الآخرين بآلامهم.
وبعد هذا الوصف، لا نقول إن المظلومين وأهل الحزن الجميل من كوكبٍ آخر، بل هم بعضٌ منا وفينا؛ من لحمنا ودمنا، أو ممن أكلوا العيش والملح معنا، أو جاورونا، أو عاشوا بين رحالنا، أو كانوا أقرب إلينا مما نتصوّر.
اجتمعوا جميعًا تحت مظلة «المظلوم»، ومنهم:
•أبٌ أو أمٌّ يعانيان من ابنةٍ عاصية أو ابنٍ عاق.
•أختٌ تقاسي ظلم إخوتها.
•أخٌ يرزح تحت ظلم إخوته.
•زوجةٌ هُجرت بعد أن سُلبت أموالها وصحتها وسنين عمرها.
•خادمةٌ أو خادم، أو سائق، يذوق أصناف العذاب ولا تُعطى أجرته.
•جارٌ رأى من جاره ما لا يُطاق؛ لانعدام الذمّة، وعدم أمان بوائقه.
•موظفٌ بسيط، تحت إمرة رئيسٍ متسلّط؛ ضعيفٍ في نفسه، قويٍّ بسلطته، يهين ويبطش، ويقطع الأرزاق، بقوة نظامٍ أُسيءَ استخدامه.
نعم، قد يخفّف الحزنُ الجميل وطأةَ الألم عن النفوس، غير أنّ اللجوءَ إلى اللهِ الحكيمِ العليمِ بأكفِّ الضراعة يظلّ قائما، فهو الملاذَ الأصدق، والركنَ الأوثق، وعواقبه منصفة.
شاهد من التاريخ:
قال يحيى البرمكي مجيبًا ابنه حين تساءل عمّا أتى بهم إلى السجن:
«يا بُنيّ، دعوةُ مظلومٍ سرت في جوف الليل، غفلنا عنها ولم يغفلِ الله عنها».
نعم، إنها دعوةُ المظلوم، ليس بينها وبين الله حجاب.
ثانيًا: مثال الحزن الجميل:
هو حزنُ يعقوبَ عليه السلام؛ حزنٌ لم يُفصِح به إلا لربّه، فكان فريدًا في جوهره، فذًّا في تعبيره؛ شديدًا لكنه نبيل، مؤلمًا لكنه مؤمن، ممتدًّا لكنه صابر.
ليس حزنًا عابرًا كسحابة صيف، بل حزنٌ رساليّ، ربّانيّ، أبويّ، وجدانيّ؛ اجتمع فيه الشوق والحنين والانكسار، دون أن يختلّ حسنُ الظنّ بالله لحظةً واحدة.
كان حزنُه كنهرٍ جارٍ تحت أرضٍ صلبة؛ لا يسمعه الناس، لكنه ينحت في القلب بصمت. وكان في صدرِ مؤمنٍ لم يُطفئه الزمن، ولم تُخمده بياضُ العيون، ولا نضوبُ الدموع.
ثالثا: صفات الحزن الجميل وملامحه:
١- حزنٌ إيمانيّ، مردّه إلى الله:
رغم أنه أذبل العين وأنطق القلب، قال تعالى:
﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾
[يوسف: 84].
٢- حزنٌ عميق لا يضجّ:
لم يكن فيه تبرّم، بل كانت الشكوى إلى الله وحده، قال تعالى:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[يوسف: 86].
٣- حزنٌ أبويّ طال أمده دون يأس:
لم يزده إلا أملًا وإيمانًا بقضاء الله، لا انهيارًا ولا تسخّطًا؛ فقد بكى يعقوب عليه السلام عشرات السنين، وفقد بصره، ومع ذلك قال:
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾.
ورد في الأدب:
قول ابن الدمينة – وهو أعور كريم العين – حين بكى كمدًا، ونزلت دموعه من عينهالصحيحة، فلام العوراء على سيلان دموعها:
إِذا اغرَورَقَت عَينايَ قالَ صَحابَتي//إِلى كَم تَرى عَيناكَ تَبتَدِرانِ.
عَذَرتُكِ يا عَيني الصَّحيحَةَ بالبُكا//فَما لَكِ يا عَوراءُ وَالهَملانِ.
ويقول شاعر آخر:
َلَيْسَ الَّذِي يَجْرِي مِنَ الْمَاءِ دَمْعُهَا//وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَذُوبُ فَتَقْطُرُ.
الخاتمة:
ليس كل حزنٍ ضعفًا، ولا كل صمتٍ هزيمة؛ فثمّة حزنٌ يُرقّي الروح، ويهذّب القلب، ويقرّب العبد من ربّه.
ذلك هو الصبر الجميل؛ حين يتحوّل الألم إلى وعي، والوجع إلى حكمة، والدمعة المحبوسة إلى يقينٍ بأن الله لا يخذل قلبًا صبر، ولا يضيّع دعوةً خرجت من قلبٍ مكسور.
وينبغي أن نتيقّن أن الشكوى إلى الله قوّة لا ضعف، وأن الأمل لا يموت في قلوب الصابرين.
ولكم وافر ودي وتقديري.
تعليقات
إرسال تعليق