سِحر الإرادة الملتهبة
٤١: سِحر الإرادة الملتهبة…
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٩/٠٦هـ
🔗 سلسلة وصال (٤١)
تمهيد:
حين يتقد الداخل فتنتظم السنن، نعم، ليست الإرادة لفظًا إنشائيًا، ولا حالةً نفسيةً عابرة، بل هي إحدى أخطر القوى التي أودعها الله في الإنسان. بها ينهض من كبواته، وبها يسقط حين تُصاب بالوهن. وقد لخّص أحد العلماء هذه الحقيقة بقوله: «سِحر الإرادة الملتهبة يصنع كلَّ شيء»؛ وهي عبارة وإن بدت موجزة، إلا أنّها تُحيل إلى منظومةٍ كاملة من المعاني الدينية، والفلسفية، والنفسية، التي تحكم علاقة الإنسان بذاته، وبربّه، وبالواقع الذي يعيشه.
أولًا: الإرادة بوصفها نقطة التقاء الإيمان والعقل.
في التصور الإسلامي، لا تنفصل الإرادة عن الإيمان، ولا يُفهم الفعل بعيدًا عن النيّة. فالإنسان لا يُحاسَب على مجرّد النتائج، بل على القصد والسعي، ولهذا جاء الحديث النبوي القاطع:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
والنيّة هنا ليست إعلانًا لفظيًا، بل توجّهًا داخليًا يصوغ القرار، ويُحدّد الاستمرار، ويُنتج الصبر عند التعثّر. فكم من عملٍ صغيرٍ باركته نيّة صادقة، وكم من مشروعٍ عظيمٍ انهار حين غابت عنه الإرادة الواعية.
ومن هذا المنطلق، يقرّر القرآن قاعدةً سننية لا تقبل التحيّز العاطفي:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾.
وهي آية تؤسس لفهمٍ حضاريّ بالغ العمق: أن التغيير الخارجي تابعٌ لتغيّرٍ داخلي سابق، وأن الله – جلّ شأنه – لا يُجري سننه عبثًا، بل وفق استعداد النفوس وقابليتها.
ثانيًا: بين التفاؤل الواعي والتشاؤم المُعطِّل.
ليست الإيجابية في المنظور العاقل إنكارًا للواقع، ولا تغاضيًا عن الألم، بل هي اختيار زاوية النظر. فبعض نظريات الفلسفة، فرّقت بين ما نملك تغييره، وما لا نملك، واعتبرت أن شقاء الإنسان ينشأ غالبًا من الخلط بين الأمرين.
وفي المقابل، فإنّ التفكير السلبي لا يُنتج حذرًا مشروعًا بقدر ما يُنتج شللًا داخليًا؛ إذ يُضخّم المخاوف، ويستنزف الطاقة، ويُربك القرار، حتى يصبح الإنسان سببًا غير مباشر في تعثّر نفسه.
ولا يعني هذا أنّ المصائب تأتي دائمًا نتيجة أفكار مظلمة، بل يعني أنّ طريقة التفكير تُحدّد طريقة التعامل مع المصيبة، ومن ثمّ تحدّد مآلاتها.
ثالثًا: التجربة الإنسانية شاهدٌ لا يُكذَّب.
في تجارب الحياة اليومية، تتجلّى هذه الحقيقة بوضوح. فالإنسان الذي يدخل معاركه وهو يستحضر معنى الرسالة، والغاية، والاحتساب، يكون أقدر على الثبات، وأحسن تقديرًا للخيارات، وأقلّ تسرّعًا في ردود الأفعال.
بينما من يدخلها بعقلية الضحية، ينتظر الخذلان، ويتربّص بالفشل، فيقع فيه قبل أن يقع عليه.
وهنا لا نصادر القضاء والقدر، ولا نزعم أنّ الإرادة تُغيّر المقادير، ولكننا نؤكّد أنّها تُغيّر موقع الإنسان من القدر: هل يكون متفاعلًا راشدًا، أم منكسرًا متذمّرًا؟ وهل يخرج من الابتلاء أنضج، أم أكثر مرارة؟
خاتمة:
إنّ سِحر الإرادة الملتهبة لا يكمن في ضمان النتائج، بل في صناعة الإنسان القادر على مواجهة النتائج أيًّا كانت. فهي إرادة تُدرك السنن، وتحترم الواقع، وتُحسن الظن بالله دون أن تُعطّل العقل أو تُلغِي العمل.
وحين تشتعل الإرادة وتهتدي بالوحي، وتستنير بالعقل، يتحوّل الإنسان من متلقٍ للأحداث إلى شريكٍ في صياغتها، لا بالتحكّم المطلق، بل بالاختيار الواعي، والسعي الصادق، والتسليم الحكيم.
وهنا فقط نفهم العبارة على وجهها الصحيح: «سِحر الإرادة الملتهبة يصنع كلَّ شيء»؛ أي يصنع إنسانًا إذا صَلُح، صَلُح به الكثير.
نعم، طريقة تفكيرنا هي وسيلتنا "على الأرجح" إلى المكان الذي نضع فيه أنفسنا ومستقبلنا "بعد إرادة الله".
نسأل الله لنا ولكم السداد، هذا ولكم تحياتي.
تعليقات
إرسال تعليق