الشكر: عبادةٌ وخُلُق

 ٣٨-الشكر: عبادةٌ وخُلُق


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وإعداد 

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٨/١٤هـ

🔗 سلسلة وصال (٣٨)


نِعَمُ اللهِ علينا لا تُحصى، ولا نستطيع أداء حقِّ أدناها مهما بذلنا من جهد، غير أنّ الله الكريم برحمته يسَّر علينا، إذ يعلم ضعفنا وقِلّة حيلتنا، فجعل الثمن في متناول الجميع، لا يتجاوز كلمةً واحدة وهي: «شكرًا»، كلمةٌ قد نراها يسيرة، غير أنّ وزنها عند الله عظيم.


ومن رحمته أيضا أن نوَّر بصائرنا لندرك أنّ الشكر دليل وفاء، وعلامة إيمان، ومظهر عبودية صادقة، وعرفان بفضل الله وكرمه، كما أنّه شاهد على رجاحة العقل، وصفاء النفس، ونقاء المعدن. وهو تدريبٌ على خُلُق الاعتراف بالفضل، وتقدير أهل المروءة والكرم.


وقد دلّ الكتاب والسنة، وأقوال الحكماء، على وجوب شكر الله أولًا، ثم شكر أصحاب الفضل من الخلق ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:


أولًا: ذِكر الشكر في كتاب الله:

لم يترك القرآن الكريم قيمة الشكر دون بيان، بل أكّدها بوضوح، فوردت كلمة الشكر ومشتقاتها بصيغ متعددة، فعلًا واسمًا، نحو ٧٥ مرة، مما يدل على عظيم منزلتها وأثرها في حياة الإنسان.


وقد ربط الله الشكر بالزيادة، وجعل كفر النعمة سببًا للحرمان والعقوبة، فقال سبحانه:

﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وفي المقابل توعّد من كفر بنعمه، وضرب مثلًا لقومٍ عاشوا في أمنٍ ورغد، فلما نكروا النعمة وعدموا شكرها، أذاقهم الله لباس الجوع والخوف.


كما قرن الشكر بالذكر، وجعله علامة الإيمان الصادق، ووعد الشاكرين بجزيل الجزاء، فقال تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾.


وهكذا يتبيّن أن الشكر في ميزان القرآن ليس مجرد لفظ، بل عبادة قلب، وسلوك حياة، وسِرّ دوام النعم وزيادتها.


ثانيًا: الشكر في السُّنّة النبوية:

جاءت السُّنّة النبوية مؤكِّدةً عِظَم منزلة الشكر وأثره في تزكية النفس، فربط النبي ﷺ شكرَ الله بشكر الناس، فقال:

«من لا يشكر الناس لا يشكر الله»، دلالةً على أن الاعتراف بفضل الخلق من تمام شكر الخالق.


كما حثّ ﷺ على مقابلة الإحسان بما يُستطاع، فعلًا أو قولًا، فقال:

«من أُعطي عطاءً فوجد فليجزِ به، فإن لم يجد فليثنِ، فإن من أثنى فقد شكر»، مبينًا أن الثناء الصادق شكر، وأن كتمان المعروف نكران.


نعم، لم يكن الشكر عنده ﷺ قولًا مجردًا، بل عبادةً وعملًا؛ فقد كان يقوم الليل حتى تتفطّر قدماه، ويقول:

«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»، ليؤكد أن الشكر الحق يظهر في السلوك والطاعة.


ثالثًا: الشكر في الأدب:

لم يكن الشكر خُلُقًا إسلاميًّا فحسب، بل قيمة إنسانية سامية احتفى بها الحكماء والشعراء، وعدّوها من أرفع الفضائل؛ لما لها من أثرٍ في دوام النعم، وتهذيب النفوس، وتوثيق العلاقات.


ففي أقوال الحكماء قيل: «الشكر نصف الإيمان، والصبر نصفه الآخر»، وقيل: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير»، وعدّوا الشكر زينةً للنعم وأمانًا من زوالها، والجحود سببًا لذهابها.


أما الشعر العربي، فقد عبّر عن هذه القيمة ببلاغةٍ عميقة، فبيّن أن الشكر طبع الكرام، وأن المعروف متى قوبل بالعرفان دام أثره، ومتى جُحد انقطع. وفي ذلك تأكيدٌ على أن الإحسان يملك القلوب، وأن الشكر يحفظ الودّ، كما أن الجحود يقطعه، قال الشاعر:

أنْعِمْ على منْ شئتَ تَكْسِبْ قلوبَهُمُ//فالناسُ عبدُ الإحسانِ ما عاشُوا.

ويقول آخر:

أوليتني نعماً أبوح بشكرها//وكفيتني كل الأمور بأسرها.

ولأشكرنك ما حييت وإن أمت // فلتشكرنك أعظمي في قبرها.


وهكذا يتجلّى الشكر في الأدب خُلُقًا راقيًا، تتفق عليه الفطرة السليمة، وتؤكده الحكمة والتجربة، بوصفه سبيلًا لحفظ المعروف، وديمومة المودة بين الناس، فمن الحكم المأثورة:

•“الشكر يزرع الودّ، والجحود يقطع الحبل.”


الخاتمة:

على الرغم من كثرة الشاكرين لله، والأوفياء مع خلقه، فإن صور الجحود والنكران لم تَخلُ منها الأزمنة، قديمها وحديثها، ولن تخلو منها مستقبلًا، حتى في حقّ الخالق جلّ شأنه. 


وقفتُ مؤخرًا متأملًا أمام مشهدٍ مؤلمٍ لرجلٍ من دولة عربية، نشأ في بيئةٍ إسلامية، لكنه انساق خلف الهوى والوسوسة، حتى تطاول على ذات الله بألفاظٍ مشينة، في صورةٍ صارخة من الجحود والضلال، خلال برنامج تلفزيوني.


وممّا زاد الأسى ضعفُ من كان يحاوره؛ إذ بدا عاجزًا عن البيان والحُجّة، الأمر الذي أظهر الباطل في صورة قوّة، وكأن اختيارَه كمحاورٍ غير كفء كان متعمّدًا، ممّا أسهم – من حيث لا يشعر – في تعزيز موقف ذلك الضال.


ومع الاعتذار عن الإشارة إلى بعض الأسباب، فإن من أبرز العوامل التي قد تقود إلى هذا التمرّد ونكران الفضل:


أولًا: وسوسة الشياطين:

سواء من الجن أو الإنس، وقد تكون الأخيرة أشد أثرًا، خاصة إذا صدرت من مقرّبين.


ثانيًا: الاضطرابات والآفات:

كالأمراض النفسية، أو التعاطي المفرط للمخدرات والمسكرات، مما يفضي إلى اضطراب الفكر، وسوء الظن، وقلب الحقائق.


ثالثًا: الشعور بالنقص:

إذ يدفع بعض النفوس إلى التمرّد على من كان لهم فضلٌ عليهم، وتشويه صورته بادّعاءات باطلة، طلبًا للتعويض أو التعاطف.


وفي الختام، يبقى الشكر خُلُقًا رفيعًا، لا يثبُت عليه إلا أصحاب النفوس السوية، والعقول الراجحة، وهو سياج النعم، وعنوان الوفاء.


حفظكم الله، وأسبغ عليكم نعمه، وستركم في الدنيا والآخرة.

                 هذا ولكم تحيّاتي.

تعليقات

  1. طرحٌ راقٍ أعاد للشكر معناه الحقيقي؛
    فهو ليس لفظًا عابرًا، بل عبودية ووفاء ووعيٌ بالنِّعمة.
    أصبتَ حين جعلته سلوكًا يُترجم في التعامل مع الله والناس، لا مجرّد قول.
    نصّ يذكّر بأن دوام النِّعم رهين بصدق الشكر، وأن الجحود أول طريق الزوال.
    نسأل الله الثبات ودوام الشكر

    ردحذف
  2. شكرا لمرورك العطر
    نعم لقد وفقك المولى بأن تتركين أثرا يذكر أينما ذهبتي، رفع الله قدرك وأعلى شأنك، وحفظك من كل شر.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ