همم العظماء
٣٥- همم العظماء.
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٧/٢٣هـ
🔗 سلسلة: وصال (٣٥)
لقد وُفِّقَت قيادتُنا في تحقيق الموازنة بين تسهيل طرق التجارة وطلب الكسب الحلال، وبين التصدي الحازم للطرق غير المشروعة والقضاء عليها، مع تقبّل الآراء والأطروحات المختلفة، وذلك في إطارٍ منضبط بالأحكام الشرعية والأنظمة القانونية.
وإذا آمَنّا بوجود من «يَحوم حول الحِمى»، وبأنّ في الناس من استساغ الإسراف والظلم، ممّا جُبِل عليه بعض البشر من حبّ الدنيا وملذّاتها، فإنّ سؤالًا مهمًا يفرض نفسه:
ما دور المواطن الصالح في التوعية بخطورة هذه السلوكيات؟
إنّ الإنسان الذي يستشعر مسؤوليته يُعدّ عنصر أمان وسلام في مجتمعه؛ فيعمل جنبًا إلى جنب مع ما يمليه عليه ضميره الحي، وما يتوافق مع الدين والقانون، بما يسهم في حفظ مصالح الناس، ويُعزّز مبدأ الحذر من الغش والظلم، بعيدًا عن التجريح، أو التأليب، أو الإثارة.
ومن هنا، لا نجد دورًا يمكن أن يُمارَس خدمةً لأوطاننا ومجتمعاتنا، ورافدًا آمنًا لجهات الاختصاص، أفضلَ ولا أنجعَ من استحضار بعض قصص الوفاء والأمانة التي حفلت بها صفحات التاريخ.
وفي هذا السياق، يبرز مثالٌ جليّ يُجسِّد ما تقدّم، وهو ما رُوي عن حكمة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وزهد أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وكيف تلاقت هممُهما الصالحة في الحرص على ما يحفظ جماعة المسلمين ولُحمتهم؛ فكان عثمان حكيماً، رحيماً بالمسلمين، وكان أبو ذر مدركًا لحق الحاكم عليه كأحد الرعية، ومستشعرًا ضرورة إعانته، ولو بمغادرة عاصمة الإسلام، تقديرًا واحترامًا وتعبّدًا.
عزلة أبي ذر
عُرف أبو ذر رضي الله عنه بزُهده وصدعه بالحق دون خوف أو مداراة، حتى عُدَّ من أصدق الناس لهجة.
وكان شديد الحساسية تجاه مظاهر الترف والإسراف، مؤمنًا بأن المال أمانة يجب أن يُؤدَّى حقها، وأن يُراعى فيها حق الفقراء والمساكين.
أما سبب عزلته وابتعاده، فيعود إلى كثرة إنكاره على الولاة حين ظهرت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه مظاهر الغنى والترف لدى بعض الصحابة والتابعين. وكان يصدع بقوله:
«بشِّر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاوٍ من نار، تُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم».
وقد جعل هذا الموقف الصارم بعض الناس يتحرّجون منه، فرأى الخليفة عثمان رضي الله عنه –حرصًا على وحدة الكلمة واجتماع الصف– أن يخفّف من احتدام الخلاف، فطلب من أبي ذر أن يُقيم بعيدًا عن مركز الدولة. فاختار أبو ذر الربذة، قريبًا من المدينة، حيث عاش على زهده وورعه حتى توفي فيها سنة 32هـ تقريبًا.
وعليه، لم تكن عزلته عقوبةً بالمعنى السلبي، بل كانت إجراءً حكيمًا لإبعاد الخلاف، وظلّ أبو ذر فيها مثالًا للصدق والورع، حتى صار رمزًا للزهد والجرأة في قول الحق.
الدروس المستفادة
ومن حكمة عثمان، وقصة عزلة أبي ذر الغفاري رضي الله عنهما، تُستفاد جملة من المعاني، من أبرزها:
1. موازنة الحق والمصلحة:
يُظهر موقف عثمان رضي الله عنه أن القائد قد يُضطر إلى موازنة بعض الحقائق حفاظًا على وحدة الأمة، ولو كان في ذلك مشقة على بعض الأفراد.
2. الخلود للصدق:
ما بقي من أبي ذر ليس ماله ولا مكانته، بل صدقه وزهده وشجاعته في قول الحق، دون إخلال بالنظام أو خروج عن طاعة وليّ الأمر.
3. الاختلاف لا يُسقط القدر:
على الرغم من إبعاده عن مركز الأحداث، بقي أبو ذر صحابيًا جليلًا عظيم القدر، مما يعلّمنا أن الاختلاف لا يمحو الفضل ولا يُسقط المنزلة.
خلاصة القول:
إن التمسك بالمبدأ ليس خصومةً مع الجماعة، ولا خروجًا عن النظام، بل هو صدقٌ مع النفس، قد يورث صاحبه عزلةً مؤقتة، دون أن ينقص من قدره أو أثره. فالزهد قوة أخلاقية، والاختلاف المنضبط لا يُسقط المكانة ولا يمحو الفضل.
وفي المقابل، تتجلّى حكمة الحاكم في الموازنة بين الحق والمصلحة العامة، بما يحفظ وحدة الصف، ويعزّز الأمن والاستقرار، حين تُتخذ القرارات بروح الرحمة والرأفة، مع صون كرامة أهل الزهد والحكمة والمكانة.
وهكذا يلتقي صدق المبدأ مع حكمة القيادة، ليبقى الخلود للقيم لا للمواقع، وللأثر الصادق لا للضجيج، في مجتمعٍ تتكامل فيه المسؤولية، وتُجمع فيه الكلمة، ويُصان فيه الشمل.
حفظ الله ديننا، وقيادتنا، ووطننا من كل شر.
وتفضلوا بقبول خالص التحية والتقدير.
تعليقات
إرسال تعليق