َالْمَنْطِق الْمُعَاكِس

 ٣٤- المنطق المعاكس.


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ:  ١٤٤٧/٠٧/١٦هـ

🔗 سلسلة: وصال (٣٤)


المقولة: «العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من أيدي المشركين» هي قولٌ مأثور عن الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وقد كانت تلك منهجيةَ معظم علماء المسلمين؛ إذ تؤكد أن العلم والحكمة حقٌّ للمؤمن، ويجب عليه طلبهما واغتنامهما من أي مصدر كان، حتى لو كان من أعداء الدين أو من مصدر غير موثوق؛ ما دام الهدف هو اكتساب المعرفة بغضّ النظر عن قائلها أو مصدرها، فما بالك أن يكون المصدر أحد أبناء دينك ووطنك ومن بني جلدتك، أنه لشرف عظيم للناقل وللمنقول منه.


وسبب هذه التوطئة أنه وردني مقال باسم كاتبه عبدالرحمن بن جابر، وهو رجل لا تربطني به صِلةُ معرفة، إلا أن ما كتبته أناملُه رائعٌ جدًّا، حيث قال تحت عنوان:

👇

“منطق الحياة المعاكس”:


لكلٍّ منّا منطقه الخاص في التعامل مع الحياة، وغالبًا ما نبني هذا المنطق على ما تربّينا عليه من القيم والمبادئ التي نؤمن بها مع الوقت، بالإضافة إلى تصوّراتنا الخاصة التي نكتسبها مع الزمن. نعتقد أننا إذا كنا لطفاء، صادقين، وواضحين، منضبطين، فسيُقابلنا العالم بالطريقة نفسها. لكن الواقع مغايرٌ تمامًا.


قد يُعتبر اللطف الزائد صورة من صور السذاجة عند البعض، والصدقُ التامُّ مُنفِّرًا لا جاذبًا. الالتزامُ الصارم بالمواعيد يصبح ثِقلاً عليك لأنك ستضيق بالفوضى من حولك في مجتمعات تميل إلى اللامبالاة. والمثاليةُ في التعامل مع الناس ستتحول إلى مصدر دائم للإحباط.


نُربّى على أن أغلب المبادئ غير قابلة للتفاوض، كالنزاهة، والإخلاص، والتفاني. لكن للحياة رأيٌ آخر؛ فهي تسير أكثر وفقًا لتوازنات ضمن مساحات يتعايش فيها الصواب والخطأ، والخير والشر، داخلَ نَفْسِ الأشخاص.


نحاول أن نوفر لأبنائنا ما لم نحصل عليه، ونسعى لأن نجعل حياتهم أسهل، لكن التجربة والعلم يقولان إن التحديات، وأحيانًا بعضُ الحرمان والنقص، هو ما يصقلهم ويحفّزهم ويُشعل النار التي بداخلهم.


نتوقع أن الاجتهاد والتعب يجب أن يُقابَلا بالمكافأة، وأن الحقَّ ينتصر في النهاية. وفي هذه النقطة دائمًا أستحضر قصة الهنود الحمر؛ لقد كانوا أصحابَ الحق والأرض، وصاروا تاريخًا.


الحياة لا تُكافئ الفضائل بالطريقة التي نتوقعها، والمعاملةُ بالمثل ليست قاعدة، بل مجرد حلمٍ أخلاقيٍّ نادرِ التحقق. والنيةُ الطيبة لا تحمي من النتائج القاسية.


التوازنُ الحقيقي لا يكون بين الصح والخطأ فقط، بل بين ما تؤمن به وما يمكنك الاستمرار فيه دون أن تُنهَك.

هذه ليست دعوةً للتخلي عن المثالية، بل لإدراك حدودها:

أن نعرف متى نتمسك بها، ومتى نخفف عنها… حتى لا تُستنزف أرواحُنا، وحتى لا نُحمّل الآخرين ما لا طاقة لهم به.

“عبدالرحمن جابر".

أنتهى النص


الختام:

إن مما يزيد قيمة هذا المقال هو أنه يذكّرنا بحقيقةٍ جوهرية: وهي الخيبات لا ينبغي أن تدفعنا للتخلي عن فضائلنا، وأنّ تقصير الآخرين في الصدق والوفاء لا يجعلنا أقلّ تمسّكًا بما نؤمن به. فالناس تحكمهم ظروفٌ لا نعلمها، ونفوسٌ تتقلّب كما تتقلّب الحياة نفسها، إن ما طرحه الكاتب يعيد ترتيب البوصلة في داخلنا؛ فلا نُنهك أنفسنا بمطاردة المثالية في الآخرين، ولا نستسلم لمرارة التجارب، بل نظل نحمل أخلاقنا معنا حيث كنا، لأن قيمنا هي ما يبقى، وما سواها يذهب مع تقلبات الأيام.


ولا يليق أن نتراجع عنها مهما اختلفت ردود الأفعال أو غاب المقابل.


وفقكم الله لما فيه خير الدارين.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ