ما يستشك كود الرديين

 ٣٣- ما يستشك كود الرديين.


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 "جمع وإعداد"

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٧/٠٩هـ

🔗 سلسلة وصال (٣٣)


قصة وقصيدة للأمير المعروف عبدالله بن رشيد من قبيلة شمر، ولد عام ١٢٠٤هـ، وقد اشتهر بين الناس بالشجاعة والفروسية والنخوة والكرم والشهامة والوفاء والصدق وجميع الصفات الجليلة التي يفتخر بها كلُّ عربيٍّ أصيل. 

وهو المؤسس الأول لإمارة جبل شمر عام ١٢٥١هـ. نُفي إلى العراق، واستعاده الأمير تركي بن عبدالله آل سعود، حيث كان أحدَ خواصِّ ابنه فيصل بن تركي، وقد ساعد فيصلًا في استعادة حكم والده عام ١٢٥٠هـ، ثم ولّاه الأمير فيصل حكم الجبل وحائل عام ١٢٥٣هـ.


——


وفي إحدى السنوات اشتدت الخلافات والنزاعات في إمارة حائل، حتى وصلت بين الحكّام السابقين من أبناء العمومة إلى درجة سفك الدماء.

فخرج الفارس والشاعر المشهور عبدالله العلي الرشيد رحمه الله من حائل بعد خلافه مع أبناء عمه، إلى مكان يُقال له “الوقيد”، وكان معه مجموعة من شباب الجبل، وأحد رجاله وأصدقائه الخاصين والمخلصين، وهو حسين المسطحي رحمه الله ورحم جميع أموات المسلمين. وكان حسين هو الوسيط السري بينه وبين أهل بيته في بداية خروجه من حائل، حيث يجلب له الماء والطعام وينقل الأخبار بينه وبين زوجته منيرة الجبر.


“منيرة الجبر”

كانت زوجة الشيخ عبدالله رحمهما الله، منيرة الجبر، تُصرّ وتلحّ عليه أن ترافقه في منفاه أو في طريقه إن أراد الرحيل بعيدًا، لكنه كان يرفض خوفًا عليها من خطورة الطريق ومصاعب السفر. إلا أنها سمعت بعزم أولاد عمه على قتله، فطلبت من حسين أن يُوصلها إلى الأمير عبدالله خارج حائل في مخبئه السري، وبعد جدالٍ مريرٍ وإصرارٍ منها، وافق على اصطحابها إلى زوجها.

وفعلاً وصلت إليه، وأخبرته بما يُحاك له، فعقدوا العزم على الرحيل بعيدًا عن حائل.


ومن شدة حبها وحرصها على رفقتهم، استعجلت ونسيت أن تلبس حذاءها أو نعلها، وكانت رحمها الله حاملًا في الشهر التاسع، وعلى وشك الولادة، فصَعُب عليهم أن يرجعوها إلى حائل أو يتركوها، إلا أنهم أخذوها معهم في طريقهم رغم وضعها الصعب.


ولما كانت زوجة عبدالله الرشيد أميرة وزوجة أمير ولم تعتد على المشي حافية القدمين، فقد كانت تعرج وتتألم أثناء مشيها على الأرض الصخرية الجبلية الوعرة.

وكان الأمير وزوجته حُفاة، إلا حسين فكان معه نعل، وقد حمله طوال الطريق في يده حياءً من أن يلبسه وهما حُفاة، فتمثّل الأمير بقصيدته التي منها البيت المشهور:

مايستشك ياحسين كود الرديين//وإلا ترى الطيب وسيع بطانه.

وكان مطلع القصيدة:

ارم النعل لمغيزل العين ياحسين//واقطع لها من ردن ثوبك ليانه.


فأعطاها حسين النعال.

إلا أن المخاض أتاها أثناء سيرهم، فواصل الأمير سيره خوفًا من أن يلحق به خصومه، وأمر صديقه حسين أن يمكث معها حتى تأتي بجنينها، وطلب منه أن يتخلّص منه فور ولادته، ويأتي بأمه حتى لا يعيق ويعرقل مسيرهم، وخوفًا من أن يسمع أحد الأعداء بكاء الطفل فيستدلّ على مكانهم.


بقي حسين حتى أنجبت المرأة ابنها، فحمله بيديه ثم لحق بالأمير. وعندما اقترب منه سمع ابن رشيد صوت الطفل الصغير فقال:

لماذا يا حسين لم تتخلّص منه؟

فقال حسين رحمه الله كلمته المشهورة التي تدلّ على الوفاء والإخلاص والنخوة والنية الصافية مع صديقه:

«أفأ يا عمي، أتخلّص من شيخٍ من شيوخي؟»


فأصبح ذلك الطفل الصغير هو متعب بن عبدالله الرشيد.

أما القصيدة التي ورد ضمن أبياتها البيت الشهير الذي أشرنا له، فهي:


ارم النعل لمغيزل العين ياحسين//واقطع لها من ردن ثوبك ليانه


جنب حثاث القاع واتبع بها اللين//واقصر اخطاك شوي وامش امشيانه


ياحسين والله مالها سبت رجلين//ياحسين شيّب بالضمير اهكعانه


وان شلتها ياحسين تر مابها شين//حيث الخوي ياحسين مثل الامانه


مايستشك ياحسين كود الرديين//وإلا ترى الطيب وسيع بطانه


لابد ماحنا عن الضلع مقفين//ولابد ماناصل نفود وليانه


الخد قرطاس قروه المصلين//شفته مع اللي يتبعون الديانه


او زبد يشبه له بياضه مع اللين//قطن مع اللي يندفونه بعانه


سميها اللي يلبسون الغلامين//ما يلبس الا في نهار الكيانه


ما قلت من باقي العذاريب به شين//عذروبها يا حسين قل احصلانه


وقفة:


لقد أكملوا طريقهم حتى وصلوا إلى قرية الحَفَر، إحدى قرى حائل، فترك عبدُالله زوجته عند ابن رخيص، وأكمل طريقه إلى العراق هو وحسين.


سلسلة وفاء:

وهكذا تتجلّى في هذه الحادثة ملامحُ الوفاء في أبهى صورها؛ فهذه الزوجة الصالحة منيرة الجبر، خرجت وهي في أشدِّ ضعفها، تحمل جنينها في شهرها التاسع، غير آبهة بخطر الطريق ولا بوعورة المسير، ولا بشيء سوى الوقوف مع زوجها والوفاء له في ساعة الشدة.

وهذا الصديق الأمين حسين المسطحي، يضرب أروع الأمثلة في النخوة والإخلاص، فيحمل الطفل بيديه، رافضًا أوامر التخلص منه، وهو يصدع بكلمته الخالدة: «أتخلّصمن شيخٍ من شيوخي؟»، كاشفًا معدن الرجال وقت المحن.

ومن قبل ذلك وبعده، كان عبدالله بن رشيد نفسه رمزًا للوفاء؛ فكما وُفي له أصحابُه، وفّى هو لمن أحسن إليه، فوقف مع الإمام فيصل بن سعود، وكان سندًا له في أشد لحظات الصراع، حتى مكّنه الله وجمع له الأمر.


لقد كانت هذه السيرة العطرة سلسلة من مواقف الوفاء المتبادلة؛ نسجت صفحاتها التضحيةُ، وحفظتْها المروءة، وخلّدها صدقُ النيات. وما بقي ذكرُهم في التاريخ إلا لأن الوفاء لا يضيع، بل يعيش مع مرور السنين شاهدًا على أن النبل وحده هو الذي يجعل من الرجال رجالًا، ومن القصص إرثًا خالدًا.


حفظكم الله وأسعدكم.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ