دوامُ الحالِ من المُحال

 ٣١- دوامُ الحالِ من المُحال.


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ٢٤ / ٠٦ / ١٤٤٧ هـ

🔗 سلسلة : وصال  (٣١)


يقول أبو البقاء الرندي:

لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ//فَلا يُغَرَّ بِطيبِ العَيشِ إِنسانُ.

هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ//مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ.

وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ//وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ.


ويقول الخلاوي:

قولوا لبيت الفقر لايامن الغنا//وبيت الغنى لايامن الفقر عايد.


——————————


وائل بن حجر ومعاوية:


هذه قصة تنقل لنا صورة حقيقية وواقعية لتقلّبات الحياة وتحولاتها؛ إمّا من الغنى إلى الفقر، أو من الفقر إلى الغنى، وذلك ضمن ما رُوي لنا عن قصة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مع وائل بن حجر من أبناء ملوك اليمن، وقد صدق فيها المثل: «دوامالحال من المحال».

حيث وفد وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر الحضرمي ابنُ هنيد، أحد ملوك حضرموت، على رسول الله ﷺ.


قال أبو عمر ابن عبد البر:

كان أحد أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم، ويقال إن رسول الله ﷺ بشّر أصحابه قبل قدومه به، وقال: «يأتيكم بقية أبناء الملوك».


فلما دخل رحّب به وأدناه من نفسه، وقرّب مجلسه، وبسط له رداءه، وقال: «اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده».

استعمله رسول الله ﷺ على الأقيال من حضرموت، وكتب معه ثلاثة كتب: منها كتاب إلى المهاجر ابن أبي أمية، وكتاب إلى الأقيال والعياهلة، وأقطعه أرضًا، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ليقرّر له ذلك بين قومه.


ويروي علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أقطعه أرضًا، وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان ليعطيه إياها.

فقال معاوية، بعد أن طال به السير وأضناه حرُّ الأرض: “أردِفني خلفك على الناقة”.

فقال له وائل: “لا تكون من أرداف الملوك”.

فقال معاوية: “أعطني نعلك”.

فقال وائل: “انتعل ظلَّ الناقة”.


ثم ذكر وائل أنه لما أصبح معاويةُ خليفةً، أتاه فأقعده معه على السرير، ثم ذكّره الحديث الذي دار بينهما. ويقول وائل: “وددتُ أني كنت حملته بين يدي”. وعرض عليه معاوية جائزة سنية "عطية قيمة" فأبى أن يأخذها، وقال: “أعطها من هو أحوج إليها مني”.


إن حادثة وائل بن حجر مع معاوية تُقدّم درسًا عميقًا في تقلّب الأحوال، وتغيّر النفوذ، وانقلاب موازين القوة بين الناس؛ فالرجل الذي كان بالأمس ضعيفًا أو بعيدًا يصبح اليوم صاحب مكانة، ومن كان قويًا أو نافذًا قد يضعف أو يحتاج إلى من كان دونه.


وهنا نقف فنقول: لا ينبغي للإنسان أن يغترّ بالمنصب ولا بالجاه ولا بالمال، ولا أن يحتقر أحدًا مهما قلّ شأنه؛ فالدنيا دوّارة، والملك زائل، والفضل الحقيقي في الخُلق الكريم، وحسن المعاملة، وثبات المبادئ، لا في المكانة العابرة.


يقول الله سبحانه وتعالى: 

﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]


ويُذكر أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال:

"رَأَيتُ الدَهرَ مُختَلِفاً يَدورُ//فَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورُ.

وَقَد بَنَتِ المُلوكُ بِهِ قَصوراً//فَلَم تَبقَ المُلوكُ وَلا القُصورُ."


———


ويقول راشد الخلاوي:


الايام مابقى بها كثر مامضى//والأعمار ما اللي فات منها بعايد.


ومن سرته الأيام ينقاد حبله//وينقض في حبل اللذي ما تساعد.


قولوا لبيت الفقر لايامن الغنا//وبيت الغنى لايامن الفقر عايد.


ولايامن المضهود قوم تعزه//ولا يامن الجمع العزيز الضهايد .


وواد جرى لابد يجري من الحيا//إن ماجرى عامه جرى عام عايد.


——————


هكذا يترك الزمن حكمته:

أن العلوَّ الحقيقي ليس في مقعد يُمنح، بل في خُلقٍ يثبت، وأن الدائرة التي تدور لا تُبقي إلا على أصحاب المروءات.


نسأل الله الثبات على الحق وما يرضيه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ