بيتٌ يعادل قصيدة

 ٣٠-  بيتٌ يعادل قصيدة.


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٦/١٧هـ

  • سلسلة: وصال (٣٠)


كتب الشاعر ذعار بن قاعد الحربي “ولد أمس” قصيدته الشهيرة عام ١٣٨٢هـ، قبل أربعةٍ وستين عامًا، معاتبًا نفسه على مشاعر وأحاسيس كانت تنتابه في تلك الفترة، وجاء مطلعها:


الليلة الدنيا عليّه فضاها//أضوق من الابرة على ناظم السلك.

"رحمه الله"


قديمًا قالت العرب: «هذا بيتُ القصيدة»، أو " القصيد" وهذا يعطي انطباعًا أوليًا بأن النص الأدبي قد يُختصر أحيانًا في بيت واحد، تجتمع فيه كل معطيات النجاح، فيُحفَظ وتتناقله العامة، وتكون معانيه عميقة المضمون والمحتوى.

واليوم، عندما نتناول هذه الرؤية من منطلق التدقيق والتأكيد على مصداقية هذا القول، فإننا –في الوقت ذاته– لا نستطيع سلخ البيت عن القصيدة، وإن انسَلخ بحدِّ ذاته، بل نراه جزءًا لا يتجزّأ من النص؛ لأنه عاش مراحل التكوين كاملة.


وإذا كان الشاعر (أي شاعر) يفخر بهذه النوعية من الأبيات، فإنه دائمًا ما يؤكّد أن أبيات قصيدته متساوية في الأهمية، وإن فَرَقَ بيتٌ عن آخر. ولكن لا يمكن إلغاء ذائقة المستمع أو المشاهد أو القارئ، وعلينا احترامها وتقدير الإجماع على اختيار –بل وانتقاء– بيتٍ قد يراه المتلقّي بحدِّ ذاته يساوي قصيدة أو قصائد كاملة!


أما اختياري لما يُعرَف بــ بيت القصيدة الذي أشرتُ إليه أعلاه، وهو:

(الليلة الدنيا عليه فضاها // أضـوق من الإبرة على ناظم السلك).

فذلك لما له عندي، وعند غيري من متذوّقي الشعر العامي، من وزنٍ عظيم يشير إلى روعة التصوير، ومدى المعاناة التي عبّر عنها الشاعر بذلك الوصف الدقيق جدًّا والنادر في مثله؛ ممّا جعل البيت مميّزًا بحق، وتتناقله الركبان، وكُتب له البقاء دون غيره.


وليس بالضرورة –في هذه الزاوية– إيراد بيت من قصيدة أو بيت يتيم؛ فالأهم هو انتقاء بيتٍ يعادل قصيدة بالفعل، غير أنه لا مانع من إيراد النص كاملًا ، فذلك أطيب وأجمل عند هواة الشعر ومتابعينه.

وإليكم قصيدة الشاعر قاعد الحربي التي تغنى بها كثير من الشعراء:


الليلة الدنيا عليه فضاها//أضوق من الابرة على ناظم السلك.


أسباب نفس غيضها من رضاها//أهبي يا نفس الخطأ ويش مزعلك.


وأنا أدّعي وأقول نفسي قساها//فيه افتخر، لكن عسى الله يفشلك.


بينّتي الخلة لحرص وراها//يركض حرص يبغي خوافي مسائلك.


اليوم حصل حجة له بغاها//فاتت عليّ يا نفس وشلون أعقلك.


قدّامك أنفوس مثل ما جاك جاها//ما شايلوها مثل ماني بشايلك.


سوات غمضة عين قبل انتباها//مشموت عذالك ومفلوج حاملك.


الختام:

إنَّ القصائدَ الخالدة تُولَد في لحظاتٍ من الصدقِ المؤلم؛ فالشاعرُ هنا لم يكن يُغازل، ولا يمدح، ولا يتجمَّل، بل كان يُحاكم نفسَه بمرآةٍ حادّةٍ لا ترحم. ولعلّ هذا هو السّبب في أنَّ بيته ومَطلع قصيدته ما زالا محفورَين في ذاكرة الشعر الشعبي حتى اليوم.


نعم، إنَّ الشعرَ الثمينَ كالمعدن النفيس؛ لا يفنى ولا يموت، وكم من بيتٍ واحدٍ حفظ قصيدةً أو قصائدَ بأكملها، بل رسَّخ اسمَ الشاعر في نفوس الناس لما تحمله قصائده من حِكَمٍ وآدابٍ وعِبَر، وهذا ما يجعل الشعر من أرقى صنوف الأدب.

فيُقال: مَن لا يعشقُ الشعرَ والخيلَ فليس بعربي.


آدام الله لكم ذائقتكم الراقية، وحفظكم من كل شر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ