حين أصبح التعاطف عيبًا
٢٦- حين أصبح التعاطف عيبًا.
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٥/١٩ هـ
🔹 سلسلة : وصال (٢٦)
قال طفلٌ لمعلمته:
“أنتِ ما تعرفين تستخدمين التيك توك!”
في كثيرٍ من دول العالم يُجبر المعلّم، وسائر الموظفين، على الاستمرار في أعمالهم بسبب الحاجة المادية المُلِحّة.
أما عندنا – ولله الحمد – فالأمور تختلف، ومن المخارج الجيدة التي تفضل الله بها علينا قبل أن "نُمل" هو نظام التقاعد المبكر؛ إذ يُعد نعمةً عظيمة، ولا سيّما لمن استعدّ له في جميع الجوانب النفسية والمادية والاجتماعية.
لقد وقفتُ طويلًا أمام هذه الكلمات الجميلة لمعلمةٍ غربية… نعم، إنه مقالٌ في غاية الروعة..
مع المقال:👇
"بعد أربعين عامًا من التعليم، انتهت مسيرتي بجملة واحدة قالها طفل في السادسةمن عمره:
“أبي يقول إن أشخاصًا مثلك لم يعودوا ضروريين.”
لم يقلها بسخرية، ولم يقصد الإهانة. قالها ببرودٍ عابر، كما لو كان يعلّق على الطقس.
وأضاف ببساطة: “أنتِ حتى ما بتعرفي تستخدمي الـ تيك توك.”
أنا السيدة إليانور فانس، قضيت أربعة عقود أدرّس مرحلة رياض الأطفال في ضاحيةهادئة من دنفر.
واليوم، حزمت صناديق صفي للمرة الأخيرة.
عندما بدأت في أوائل الثمانينات، كان التعليم عهدًا مقدسًا.
لم نكن نتقاضى رواتب كبيرة، لكننا كنا نحظى بالاحترام.
كان الأهالي يجلبون الكعك إلى الاجتماعات، والأطفال يقدمون بطاقات مرسومةبأيديهم وقلوب مائلة ومبتسمة.
كانت فرحة طفل يقرأ جملته الأولى بمثابة مكافأة لا تقدر بثمن.
لكن شيئًا ما بدأ يتآكل ببطء.
الوظيفة التي عرفتها يوماً اختفت، وحلّ مكانها الإرهاق، وقلة الاحترام، ووحدة عميقة.
لياليَّ لم تعد تُقضى في قصّ نجوم ورقية، بل في تسجيل حوادث السلوك على تطبيقإلكتروني لحماية نفسي من الدعاوى القضائية.
تعرضتُ للتوبيخ من أولياء أمور أمام تلاميذي أنفسهم — أحدهم كان يصورني بهاتفهبينما أحاول تهدئة طفل في نوبة غضب.
أما الأطفال… فقد تغيّروا أيضًا — وليس ذنبهم.
يأتون إلى المدرسة مُنهَكين ومُفرَطَي التحفيز، أدمغتهم معتادة على الإشباع الفوري منالشاشات.
بعضهم لا يعرف كيف يمسك قلم تلوين، أو ينتظر دوره.
ومع ذلك، يُتوقع منا إصلاح كل هذا في ست ساعات، مع 25 طفلًا، وميزانية لا تتجاوزالنكتة.
زاويتي الصغيرة للقراءة، بأكياس الجلوس المهترئة وأغاني الصباح،
استُبدلت بـ”نقاط بيانات” و”نتائج قابلة للقياس”.
قال لي المدير ذات مرة:
“عليك أن تكوني أقل دفئًا، إليانور. المقاطعة تريد نتائج.”
وكأن التعاطف صار عيبًا مهنيًا.
ومع ذلك، تمسكتُ بتلك اللحظات الصغيرة المقدسة:
همسة “أنتِ مثل جدتي.”
ورقة تركها طفل على مكتبي:
“أشعر بالأمان هنا.”
الولد الهادئ الذي نظر في عينيّ أخيرًا وقال: “قرأت الصفحة كلها.”
تلك اللحظات كانت قوارب النجاة التي أبقتني عائمة.
لكن في عامي الأخير، انكسر شيء داخلي.
تصاعدت حوادث العنف.
تلاشت أنظمة الدعم.
الاحتراق النفسي في غرفة المعلمين صار ضبابًا ملموسًا من اليأس.
بدأت أشعر بأنني صرت غير مرئية.
واليوم، جمعت أغراضي.
نزعت اللوحات القديمة من الجدران.
عثرت على صندوق من رسائل الشكر من فصل عام 1998.
واحدة منها قالت:
“شكرًا لأنكِ أحببتِيني حين كنتُ صعبًا أن أُحب.”
بكيت وأنا أقرأها.
لم يكن هناك احتفال.
المدير الجديد، يتمعن في هاتفه، صافحني بإيجاز وقال:
“شكرًا لكِ يا سيدتي.”
تركت خلفي صندوق الملصقات وكرسي الهزّ الخشبي.
وأخذت معي ذكرى كل طفلٍ نظر إليّ يومًا بثقة.
لا يمكنهم رقمنتها.
أشتاق إلى زمنٍ كان فيه المعلم شريكًا، لا كيس ملاكمة.
حين كان التعليم يعني النموّ، لا الدرجات فقط.
لذا، إن رأيتَ معلمًا — قديمًا أو حاليًا —
اشكره.
ليس بكوب قهوة أو هدية، بل بكلمةٍ صادقة، وباحترامك.
لأنهم، في نظامٍ كثيرًا ما ينساهم،
"هم الذين لا ينسون أطفالنا".
"أنتهى المقال".
رسالة الكاتب:
وقفة إجلال واعتراف بالفضل لكل معلمٍ أحبَّ وأخلص في تأدية رسالته، وسامح الله كلَّ من انتقص من قيمة المعلم في صحيفةٍ أو موقعٍ أو مجلسٍ، أو على مسمعٍ من أطفاله، ثم طالبهم بالإقبال على العلم بعد أن عكَّر صفوَ أنفسهم تجاه من بذل ما بوسعه لإسعادهم والرقي بهم.
هذا ولكم تحياتي وتقديري، حفظكم الله.
تعليقات
إرسال تعليق