نُدَبٌ لا تَنْدَمِلُ
٢٩-نُدَبٌ لا تَنْدَمِلُ
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٦/١٠هـ
- سلسلة وصال (٢٩)
ليس المهمَّ كيف مات فلانٌ أو فلان، بل ماذا ترك فلان من أثر، وما أبقى بعده من ذكرٍ طيّب، ومن قيمةٍ اجتماعية ذات معنى، ومن أعمالٍ صالحة، ومن أفعالٍ يُشهد بخيريتها من بعده. أمّا غير ذلك ــ لا قدّر الله ــ فلا يليق بإنسانٍ عاقلٍ أن يختم بها حياته.
نعم، لقد كان الناس في تعاملهم مع من حولهم على ثلاثة أنماط….
النمط الأول:
«قوم يُذكَّرون بالخير»
إنهم فئة من الناس يُذكَرون بالخير، ويُشهَد لهم بحُسن الفعل، وجميل القول، وصدق المبدأ، وطيب السلوك. تبكيهم العيون، وتتحسر عليهم القلوب، وتلهج الألسن بالدعاء لهم كلما خَطَروا على البال، أو مرَّ ذكرهم في محفل أو مجلس؛ إذ ينطق أثرهم الملموس عنهم، ويحفظ حضورهم، سواء في حياتهم أو بعد مماتهم.
وهؤلاء ليسوا محور الحديث هنا، فهم – بحمد الله – كُثُر.
إنما المعنيون هم فئةٌ سيأتي ذكرهم لاحقًا، ورغم قلتهم، إلا أن ضحاياهم كُثُر، وجراحهم عميقة، وندوب أفعالهم لا تندمل، بل تظل علامات بارزة في وجوه ضحاياهم.
النمط الثاني:
“أصحابُ المثالبِ والزّلّات”
وفي المقابل… فإن الخُسران العظيم هو أن يخلِّف المرء وراءه آلامًا وحسراتٍ وآهاتٍ في صدور الشيوخ والضعفاء والمساكين والصبية والنساء. فقد يحتال على هذا، ويحتقر ذاك، ويظلم آخر، ويسلب حقًّا، ويشي بين خلق الله.
ثم لا يكتفي بذلك، بل يغتاب القريب والبعيد، ويظلم فلانًا في جواره أو في عمله، أو في طريقٍ سار فيه، أو لقاءٍ حضره، أو كتابةٍ خطّها، بل وربما ظلم بالظنّ السيئ.
كما يسعى ــ بوعي أو بجهل ــ لتشويه سمعة فلان، ويتكبر على فلان، ويجحد أفضال فلان، ويتنمّر على فلان.
وهذا نمطٌ يبقى ذكره مُحمَّلًا بالأذى؛ تتوارث الصدور ذكره السيئ، فتشمئزّ منه بدلًا من أن تترحّم عليه.
فكانت نُدَبُ مثالبه ولُؤمه شاهدةً على سوء خاتمته ورداءة تاريخه، وعلى ما تركه في نفوس من عرفه من قريبٍ أو بعيد. فهي نهايةٌ طبيعيةٌ لمن استبدّ به الغرور، وظنّ في نفسه ما ليس له.
ولن يموت أولئك الظلمة حتى يصدق فيهم قول الشاعر "العامي":
لابدّ ساعات الليالي توعيك//وتذوقك عقب الهنا بالمرارة.
كما أنّ المؤلم أن يتخيّل أحدُهم أنّه على خيرِ العمل، فكأنّه المخاطَب بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]
النمط الثالث:
“من يجبُنون عن قول الحق”
وهم أُناسٌ سلبيّون، تَرْسُليّون في شؤون حياتهم كلّها. قد يكون أحدهم متعلمًا، أو تاجرًا، أو قويَّ البُنية، لكنه ضعيفُ الإرادة؛ لا يظهر له أثرٌ إن حضر، ولا يُفتقد إن غاب.
يجبُن عن قول كلمة الحق، ولا يُسمَع له صوتٌ يدعو إلى الخير، ولا يجرؤ على رفع ظلمٍ أو منعه قبل وقوعه. يغمض عينيه في كثيرٍ من المواقف التي تتطلب شجاعة القلب، أو يتجلّى فيها معنى الإنسانية. وهنا نقول إنه لم يعِ وصيةَ لقمانَ لابنه التي وردت في قوله تعالى:
﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17].
بل نقول — نحن — إنّ أعينهم تدور كالذي يُغشى عليه من الموت؛ ولا نقصد بذلك النفاق، بل نعني أنهم يجبُنون عمّا يحفظ كرامتهم وكرامةَ غيرهم، وعن موقفٍ يورثهم ذكرًا حسنًا في حياتهم وبعد الرحيل.
فلا يُرجى منهم خيرٌ إذا التبست السُّبل، ولا يُؤمَن جانبهم إذا احتاج الناس إلى مواقف الرجال.
وقفه:
يحزن المرء حزنًا شديدًا على فقد القريب أو البعيد، أو على ضَعْفِه، لكنه لا يشعر بالندم إذا كان قد بذل ما استطاع من العطاء والفضل، وألحّ في النصح والتحذير مرارًا من عاقبة الظلم.
ومن كانت الإنسانية والكرم متأصّلين في قلبه فلن تؤثر في سلوكه المواقفُ السلبية التي تحيط به ــ أيًّا كان مصدرها ــ بل يظلّ يعطي بسخاء، ولا يتوقف عن الإحسان أبدًا، موقنًا بقول الشاعر:
لا حيٍّ إلا مقتفيه المماتِي *** ولا شَبٍّ إلا عقبه العجزُ والشيبُ.
ولا بُدَّ ما تقضي ليالي حياتي *** أمْرَضُ وأطيبُ، وعقبه أُمْرَضُ ولا أَطيبُ.
أسأل الله لي ولكم السداد في القول والعمل، وحسنَ السيرة والسريرة، والخاتمةَ الطيبة.
وفّقكم الله لكل خير، ولكم تحياتي.
تعليقات
إرسال تعليق