المخبر أصدق
٢٨- المخبر أصدق
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ٠٣ / ٠٦ / ١٤٤٧ هـ
🔹 سلسلة : وصال (٢٨)
المخبر أصدق من المظهر:
قد يتظاهر الإنسان بالطيبة والبساطة، ويُظهر البراءة واللطف، بينما هو في خلواته يرتكب الكبائر والموبقات، فيُعدّ من المنافقين.
وفي المقابل، قد يُنظَر إلى آخر بازدراءٍ لهيئته أو نسبه أو بعض سلوكياته، وربما كُرِه بين الناس لقلّة ذوقه، أو لكثرة كلامه وتذمُّره وشكواه، مع أنّ قلبه طيّب، وخلواته نقيّة، ونفسه صافية من الخبث، غير أنّه لم يُوفَّق في الأسلوب أو في حسن التعبير، فيُحكَم عليه جَوْرًا وبسطحيّة بأنّه إنسانٌ ثقيل أو غيرُ مقبول، وربما يُتجاوز في الحكم إلى ما يخرجه من الملّة أو من دائرة المروءة والأدب. والحقيقة أنّ مُخبَرَه خيرٌ من مظهره.
نعم…. إنّ من الحظ الطيب ومن تمام التوفيق ملاءمةَ الظاهر للباطن والسريرة، ولكنّ ذلك رزقٌ من الأرزاق، يُعطيه الله مَن يشاء.
وفي السطور الآتية نورد قصّة ذلك الأعرابيّ الكريم الشهم، وكيف أنّ كرمه وعزّة نفسه كادا أن يوقعاه في خطأ كبير لا يُغتفر، لولا لطف الله ونجدته له، ثم نعرض موقف الشاعر "الحُطَيئة" من ذلك الأمر الجلل.
وهذا يُوجِب علينا الإشارة إلى جانبٍ يسيرٍ من حياة هذا الشاعر المعروفِ بتناقضه الشديد في شعره وسلوكه. وليس ذلك إعجابًا بشخصه، بل مثالًا على الجانب المضيء الذي قد يسكُن في داخِل كلّ إنسان، مهما كثرت مخالفاته، أو تقلباته المزاجيّة والنفسيّة، أو ما بدا منه من ممارسات تُخالف العرف والدين. ففي داخل كلّ إنسانٍ مساحةٌ من الخير والإنسانيّة، يمكن استثمارها في إعانته على الرجوع إلى الجادّة واستعادة صوابه.
أولا:
١- الحُطَيئة:
يُعَدّ الحُطَيئة من الشخصيات التي تستوقف المتأمّل في مسيرة الأدب العربي، إذ يجمع في سيرته وشعره ملامح متباينة تُعين على فهم النفس الإنسانية بتقلّباتها وضعفها وقوّتها. وقد رأيتُ — في سياق موضوعنا اليوم — أن من المناسب استحضار جانبٍ يسيرٍ من تجربته، لما تحمله من عِبرٍ دقيقة تتمحور حول قيمة التريّث في إطلاق الأحكام على الناس.
فالقبح والحُسن ليسا دائمًا وصفين ظاهريين، بل قد يختبئ خلف قبح المنظر جمالُ مخبر، كما قد يُخفي حسنُ الهيئة سريرةً لا تليق بظاهرها. ومن هنا تتجلّى أهمية النظر بعين البصيرة قبل الاندفاع خلف ظواهر الأشياء، فالعبرة بالجوهر لا بالشكل، وبحقيقة الإنسان لا بما يبدو منه للناس.
٢- مختصر سيرته:
الحطيئة، هو جرول بن أوس بن مالك العبسي، ولقبه الحطيئة، ومعناه “القصير الدميم”. كان دَعِيًّا في نسبه، حتى لقد تبرأ منه قومه مراراً، وكان سيّئ السيرة، حاقداً على المجتمع، يهجو القريب والبعيد، حتى هجا أمَّه وأباه وزوجته ونفسه!
ويُروى أنه ارتدَّ عن الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ، وكان من شعراء الفتنة، إذ هجا أبا بكر الصديق رضي الله عنه وغيره.
ومع كل ذلك، كان من الطبقة الأولى في الشعر، غير أنّ سوء سيرته أسقط مكانته بين الأدباء. قال الأصمعي عنه:
"كان الحطيئة جشعاً، سؤولاً، مُلحفاً، دنيءَ النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلاً قبيح المنظر، رثَّ الهيئة، مغمور النسب، فاسد الدين، وقلَّما تجد ذلك في شعره.”
٣- من جميل أشعاره:
"ولستُ أرى السعادةَ جمعَ مالٍ *** ولكنَّ التقيَّ هو السعيدُ.
وتقوى اللهِ خيرُ الزادِ ذُخرًا *** وعندَ اللهِ للأتقى مزيدُ."
وقال أبو عمرو بن العلاء:
“لم تقل العرب قط أصدق من بيت الحطيئة:
"من يفعلِ الخيرَ لا يُعدَم جوازيَهُ *** لا يذهبُ العُرفُ بين اللهِ والناسِ”.
⸻
ثانيًا: وصفه لكرامة العربي.
ومن أجمل الصور الشعرية التي نقلَ بها الحطيئةُ حياةَ البادية، وما تمثّله الكرامةُ في وجدان أهلها، ما أورده في وصف أعرابيٍّ كريمٍ نزل به ضيوفٌ وهو في حالٍ من الجَدْبِ والفقر. فقد غدا هذا الأعرابيّ وابنه مثالًا للكرم والنجدة والسماحة والتضحية؛ وهي أخلاقٌ لا تُقاس بوفرة المال، بل بصفاء النفس وعلوّ الهمّة، وبالاستعداد لبذل أغلى ما يملك المرءُ صونًا لكرامته ووفاءً لمروءته.
حيث يُروى أن ثلاثة ضيوفٍ قدموا على بدويٍّ بعد غروب الشمس، وقد مضت عليهم ثلاثة أيام لم يذوقوا فيها الطعام، إذ أصابهم الجفاف وشحّ المطر وموت الماشية.
فاغتمّ صاحب الدار خوفاً من أن يُعاب على تقصيره في إكرام ضيفه، وكان البدويّ يرى في ترك الضيافة عاراً لا يُحتمل.
فرآه ابنه على تلك الحال من الكرب، فقال له: “يا أبتِ، اذبحني، ولا تُهِن كرامتك أمام ضيوفك.”
فأعجب الوالد برأيه، غير أن الله يسّر لهم رزقاً؛ إذ رأى الأب في الظلام ظباءً تقصد الماء قريباً من البيت، فخرج واعترضها، وأصاب إحداها، فقدمها طعاماً لضيوفه.
وقد صوّر الحطيئة هذا الموقف في قصيدةٍ طويلةٍ عُدَّت من أروع ما قيل في تصوير الإيثار والكرم، ونقتبس منها قوله:
وَقالَ اِبنُهُ لَمّا رَآهُ بِحَيرَةٍ//أَيا أَبَتِ اِذبَحني وَيَسِّر لَهُم طُعما.
وَلا تَعتَذِر بِالعُدمِ عَلَّ الَّذي طَرا//يَظُنُّ لَنا مالاً فَيوسِعُنا ذَمّا.
فَأَمهَلَها حَتّى تَرَوَّت عِطاشُها//فَأَرسَلَ فيها مِن كِنانَتِهِ سَهما.
فَخَرَّت نَحوصٌ ذاتُ جَحشٍ سَمينَةٌ//قَدِ اِكتَنَزَت لَحماً وَقَد طُبِّقَت شَحما.
فَيا بِشرَهُ إِذ جَرَّها نَحوَ قَومِهِ//وَيا بِشرَهُم لَمّا رَأَوا كَلمَها يَدمى.
فَباتَوا كِراماً قَد قَضوا حَقَّ ضَيفِهِم//فَلَم يَغرِموا غُرماً وَقَد غَنِموا غُنما.
وَباتَ أَبوهُم مِن بَشاشَتِهِ أَباً//لِضَيفِهِمُ وَالأُمُّ مِن بِشرِها أُمّا.
ثالثًا:
في الختام يمكن تلخيص الموضوع في جانبين:
الأول: أنّه قد يكون في داخل بعض من يجمع الناس على نَبْذِهِ وازدرائه شيئًا من الخيريّة تشفع له عند الخلق والخالق، كما في القصة التي تروي غُفران ذنوب امرأةٍ ذاتِ سلوكٍ سيّئ بسبب سُقياها لكلب. ومن باب ما ورد شرعًا، فإنّ الحكم على فلانٍ بأنّ مصيره النار لا يجوز لأحدٍ من الخلق، وذلك استنادًا إلى الحديث الوارد في قول النبي ﷺ: «مَن ذا الذي يتألّى عليّ».
وأمّا في قصة الأعرابي وابنه، فتتجلّى أسمى صور الخيريّة؛ فالأعرابي حرص على إكرام ضيوفه ولو بأغلى ما يملك، وفي المقابل أبدى الابن برًّا عظيمًا إذ قدّم نفسه فداءً لكرامة أبيه. فاجتمع فيهما الإيثارُ والبرُّ والكرمُ، وهي خِصالٌ من أنبل ما تتزيّن به الإنسانيّة.
هذا، ولكم خالص التحية والتقدير.
تعليقات
إرسال تعليق