فن الحوار المؤثر ج٢

 ٢٥- فن الحوار المؤثر  ج٢


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٢ / ٠٥ / ١٤٤٧ هـ

🔹 سلسلة : وصال  (٢٥)

 

الجزء الثاني:"أربعة مبادئ"


نعم، كما ذكرنا سابقًا، فالحوار ليس مجرّد تبادلٍ للكلمات، بل هو فنّ بناء القلوب والجسور بين العقول.


المبدأ الرابع:

التحلّي بالذكاء العاطفي في الحوار.

“الكلمات قد تُنسى، لكن المشاعر التي تثيرها تبقى".


ليس كل مؤثّرٍ فصيحًا، وليس كل فصيحٍ مؤثّرًا، إذ يرسخ كلامُ الإنسان في القلب بقدر ما يمتلك من قدرةٍ على فهم مشاعر الطرف الآخر ومراعاتها أثناء الحديث، والتفاعل معها بلطفٍ وصدق.


ومن الذكاء العاطفي في الحوار:

١- افهم السياق العاطفي قبل أن تتكلم.

فلا تُعاتب حزينًا، ولا تمازح مهمومًا، ولا تنتقد في لحظةِ فوز.

تحدّث بضميرٍ حيّ، وأشعرْ مَن أمامك بأنك تفهمه حقًّا.


٢- اقرأ لغة الجسد.

فكثيرًا ما تقول ما لا تنطق به الشفاه؛ فالتوتر، والارتباك، والنظرات، وطريقة الجلوس… جميعها رسائل صامتة تستحق الإصغاء.


٣- اختر الوقت المناسب للمواضيع الحساسة، فالحوار الناجح لا يقوم فقط على ماذاتقول؟، بل كذلك على متى تقول..


حقيقة:

“ليس الذكاء أن تقولَ الكلامَ المناسب، بل أن تقولَ ما يناسبُ شعورَ مَن أمامك".


——————


المبدأ الخامس: 

 جميلَ الرّوحِ في حوارك.

فـالحديثُ الجميلُ لا يُقاسُ بفصاحةِ اللِّسان، بل بطهارةِ القلبِ ورُقيِّ الذوق.


المتكبِّرُ في الحديث لا يُسمَع، والمتعالي لا يُحبّ، والفظّ لا يُفتقَد،

أمّا المتواضعُ، صاحبُ النفسِ الرّاقية، فهو من يُقبِل عليه الناسُ كما يُقبِل العطشانُ على الماءِ البارد.


يتجلّى جمالُ الرّوح في أمورٍ عدّة، 

منها:

١- ألّا تتحدّث وكأنّك تعرف كلَّ شيء،

بل عندما تجدُ معارضةً أو رأيًا آخر في أمورٍ تعلمُ صِحّتَها جيّدًا، فقل:

“لستُ متأكّدًا، لكنّني أظنّ أنّ ذلك صحيح، ودعنا نبحث معًا وسنتّفق بإذن الله.”ونحو ذلك، ولا تُكثِر الحديث عن نفسك.


٢- ابتعِد عن العبارات المتعالية أو الساخرة، فلا تقل: “واضحٌ أنّك لا تفهم.

بل قل: “ربّما نظرتي للأمر مختلفةٌ قليلًا".


٣- احترِم من يختلف معك، وأبدِ له حُسنَ الظن، واستأذِن بلُطف، واعتذِر بذوق، فذلك خُلقُ النبلاء، ومصدرُ الوَقار.


يقول الجاحظ:

“إذا أردت أن تُعظِّم من حديثك، فاجعل من أمامك يشعر بعظمته لا بصغره”.


—————


المبدأ  السادس: 

 المفاجآتِ الإيجابيّةِ في الحوار

هو سرُّ جماله ودوامِ أثره،فأجملُ الحواراتِ هي تلك التي تحملُ في طيّاتِها هديّةً غيرمتوقَّعة، ولحظاتٍ لا تُنسى.


الناسُ لا ينسون مَن أسعدهم بكلمة، أو فاجأهم بإطراء، أو ذكَرهم بخيرٍ في غيابِ السببِ والمناسبة.

فـالهديةُ التي تُقدَّم في منتصفِ الحوار ليست دائمًا شيئًا يُشترى، بل قد تكون ابتسامةً في وقتِ وجع، أو ثناءً في لحظةِ خفوت، أو تذكيرًا بموقفٍ طيّبٍ نُسي.


كيف تُنفَّذ هذه المهارة؟

١- امتدِح مَن أمامك بما فيه من صفاتٍ جميلة، ولو في أمرٍ بسيط.

٢- أشِر إلى مواقف طيّبة جمعتكما، وقل مثلًا:

  • ما زلتُ أذكُر حين قلتَ (أو فعلتَ) كذا.
  • "أو “لن أنسى يومَ وقفتَ معي في كذا.

٣- افتح له بابَ التفاؤل، ولو كان الحديثُ ثقيلًا، فقل مثلًا:

  • في حديثك نور، وقلبي مُرتاح له.
  • أو “سيجعلُ اللهُ بعدَ عُسرٍ يُسرًا"، فهذا وعدُه لعبادِه.


قال أحدُ الفلاسفة:

“لا تُهدِني كتابًا، بل حدَثًا يجعلُني أبتسمُ كلّما تذكّرتُك".


——————-


المبدأ السابع:

اجعل ختامك يُشتاق إليه.

(دعهم يشتاقون، لا يملّون)

“الوداع الجميل يترك اشتياقًا، ويصنع بدايةً جديدةً في ذاكرة الآخر".


كثيرون يُجيدون بدء الحوار، لكن القليل فقط هم من يُحسنون ختمه.

فالحوارُ المؤثّر لا يتركك مُثقَلًا أو مُشتّتًا، بل يُنهي الحديثَ وأنت تقول في نفسك:

“ليتَه لم ينتهِ… كم هو ممتعٌ الحديثُ معه!"


كيف تجعل ختامك لا يُنسى؟

١- اختصر إذا شعرت أن الحديث اكتمل.

لا تنتظر أن يملّ الناس، بل ودّعهم قبل أن تتمنّى عقولهم رحيلك.


٢- أثنِ على اللقاء، وامتنَّ له بصدق.

“أسعدني هذا الحديث.”

“كلامك أضاء لي جوانب لم أكن منتبهًا لها.”

٣- اترك شيئًا جميلاً يربطهم بك بعد انصرافك: 

قصة، دعاء، حكمة، أو حتى ابتسامة صافية، واختم بنية العودة، لا القطيعة، بمثل ما يلي:

    • “حديثُنا لا يُمَلّ، لعلّنا نُكمله قريبًا.”

    • “سأفكّر بكلامك… وأحبّ أن أسمع المزيد منك لاحقًا.”


قال أحدُ الحكماء:

“اجعل من لقائك هديةً، ومن وداعك وعدًا، ومن صمتك احترامًا.”


الخاتمة:

إنَّ فنَّ التأثير والحوار المثمر يتكوَّن لدى الإنسان من جملة أمور؛

فاللهُ تعالى قد جعل في تركيبته قدراتٍ فطريةً تُعينه على ذلك، ثم تُصقل تلك المهارات الأصيلة، وما يُكتسَب منها، بالمجالسة، والعلم، والممارسة، والعزم على تطوير الذات، وصولًا إلى الإتقان في هذا الفنّ الرفيع الذي يمنح صاحبه المكانة والهيبة والمحبّة في نفوس الناس، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، ويسعد خلقه.


هذا، ولكم خالصُ التحيةِ والتقدير.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ