التقصير وبراءة الذمّةَ

 ٢٣-التقصير وبراءة الذمّةَ.


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وإعداد 

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٤/٢٨ هـ

🔹 سلسلة : وصال  (٢٣)


تمهيد:

جمعتُ معلومات الموضوع من عدّة مصادر، ثم وجدتُ نفسي في حيرة: كيف أصوغ منها مادة مترابطة يُستفاد منها؟

حيث إنّ ما جمعته لا يعدو كونه تمهيدًا للحديث عن موقفٍ ملهم وقع قبل عشرين عامًا، وسأختم به مقالي لما فيه من عبرةٍ بالغة، وتفسيرٍ للعلاقة بين راتب الموظف والجهد المبذول.


تعريف الراتب:

الأجر "الرّاتب" هو حقّ مالي يُمنَح للعامل مقابل ما يُبذله من وقتٍ وجهدٍ وخبرة في أداء عمله. ولا يُفهم مقدار الأجر فهمًا دقيقًا إلا إذا اقترن بثلاثة عناصر أساسية: الزمن المخصَّص للعمل، والكفاءة في الأداء، والإنجاز المحقَّق. ومبدأ العدالة من أسس تقديره السليم.


أولا:

جوانب الحث على العمل واستحقاق الأجر وفق ما ورد في الكتاب والسنة والأدب حول العمل واستحقاق الأجر وفق ما يلي:


١- ذكر في الكتاب العدل الإلهي في تحديد مقابل العمل التعبدي ويقاس عليه أعمال الدنيا، وذلك في قوله تعالى:

﴿إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى﴾ – [آل عمران: 195]

فيه تأكيد على جزاء العمل، وأن العطاء مقابل الجهد سنّة إلهية.


وفي قوله تعالى:

﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ – [الجمعة: 10]

وفي هذا دعوة للعمل والكسب والسعي للرزق بعد أداء العبادة.


 ٢- وفي السنة، فقد قال ﷺ:

“ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده.” – رواه البخاري.


وقوله ﷺ:

“ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة… ومنهم: "رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعطه أجره.” – رواه البخاري.

وهذا فيه وعيد شديد لمن يأخذ جهد الناس دون أن يعطيهم أجرهم.


٣- وفي الأدب العربي:

من الشعر للحث على العزم والإخلاص في العمل قول المتنبي:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ//فلا تقنعْ بما دون النجومِ.

وفيه الحثّ على الاجتهاد، لأن الأجر والرتب لا تُنال إلا بالعلو والكد.


قول عربي مأثور:

“إذا أردت الغنى فاطلبه في النفس لا في الراتب.”

أي الراتب وحده لا يكفي إن لم يكن في النفس قناعة وهمّة.


ثانيا:

العلاقة من المنظور التربوي:

في التربية السليمة، يُعلَّم الأبناء أن المال لا يُمنَح جزافًا، بل يُكتسب بجهد، وأن الراتب ليس مجرد رقم شهري يُودَع في الحساب، بل هو ثمرة تعب، وانضباط، والتزام. هذه التربية تغرس في النفس:

•ثقافة المسؤولية: “أنا أعمل، إذًا أستحق.”

•الرضا بالرزق: “بقدر جهدي يكون عطائي.”

•كره الاتكالية: “لا أريد مالًا لا أستحقه.”


وهنا تبرز أهمية ربط استحقاق الراتب بقيمة العمل، وما يقدمه العامل، وليس بقيمة الموقع فقط.


ثالثا:

علاقة الأجر "الراتب" بالجهد من منظور علمي، وهي علاقة سببية ومباشرة، فهو في الأصل يُعطى مقابل الجهد المبذول، سواء كان جسديًا أو ذهنيًا، في عمل مشروع ومنظَّم. هذه العلاقة تُبنى على قواعد العدل، حيث يُقدَّر المال بحسب نوع العمل، ومستوى الكفاءة، وكمية الجهد المبذول، وزمن أدائه.


الخاتمة: “موقف كنتُ شاهدًا عليه”


هذ الموقف كان الدافع الحقيقي لكتابة هذا المقال، بهدف توضيح العلاقة الفعلية بين الأجر والجهد المبذول، وطرح هذا التساؤل:

هل التوازن بينهما يتم بميزان دقيق لا زيادة فيه ولا نقصان؟ أم هو تقدير تقريبي، تُراعى فيه اعتبارات متنوعة تتجاوز الحسابات المادية المجردة؟


أما عن الموقف، فقد وقع قبل ما يقارب عشرين عامًا، حين شُكّلت لجنة من أربعة أشخاص – كنت أحدهم – لدراسة بعض مظاهر الإخفاق لدى العاملين في الميدان، ومحاولة التعامل التربوي مع الحالات التي تبرز إلى السطح، قبل أن تستفحل أو تُحال إلى الجهات المختصة التي تتعامل معها وفق الأنظمة والقوانين "بعيدا عن الرأفة والحسنى التي يؤمن بها التربوي".

وإن كان في ذلك حق وعدل، إلا أننا كنا نطمح إلى تلافي كسر الموظف أو خسارته، فإن لم تُجْدِ الجهود المبذولة، أنتقلنا إلى الخطوة التالية، كما قيل: “آخر العلاج الكي”.


كان بين أيدينا في تلك الفترة حالة صعبة، وكنا نناقشها في الجلسة الثالثة. تمثلت المشكلة في كثرة غياب أحد الموظفين، وتكرار أعذاره غير المبررة، مع غياب أي أثر للتقويم أو التحسّن، رغم ما حُسم عليه من راتبه، وما وُجِّه له من تنبيهات وتحذيرات.


وعندما حاصرناه بالأدلة، وبيّنا له ما ينتظره من عقوبات وفق النظام، وما قد يتحمله من وزرٍ شرعي نتيجة هذا التقصير، فاجأنا بردّه:


إنّ ما بدر منه – في رأيه – لا يستوجب كلَّ ما ذكرناه، مبرّرًا ذلك بأنه يُخصم من راتبه عن الأيام التي تغيب فيها، وبذلك يرى في نفسه أنه قد أبرأ ذمّته، ولا يتحمّل مسؤوليةً أو ذنبًا بعد هذا الخصم.


عندها أطرق أحد الزملاء رأسه، ثم رفعه وقال له بهدوء:

يا فلان، تخيّل أن لديك مزرعة في مكان بعيد عن سكنك، فيها ثمار فاكهة وخضار تنتظر استوائها لتقوم بتسويقها بعد جهدٍ طويل. وقد استعنت بعامل ماهر يتولى أمرها، لكنك عندما عدت وجدت المحصول قد فسد، لأنه لم يُسوّق في الوقت المناسب.

فسألت العامل عن السبب، فقال إنه اشتاق إلى بعض أصدقائه، فذهب للمكوث معهم أيامًا قليلة، ويطلب منك أن تخصم عليه أجرة تلك الأيام – تعويضًا  عما تسبب فيه من خسارة– ، ويرى أنه بذلك قد أنصفك!


فهل ترى أن خصم ثلاثة أو أربعة أيام من راتبه يعادل خسارة محصول موسم كامل، أنفقت عليه آلاف الريالات من رواتب، وأسمدة، وآلات، ومياه، ومحروقات؟

عندها بهت الموظف، وسكت.


الخلاصة:

إن انضباط الموظف وقيامه بعمله بإخلاص، وفق ما أُوكل إليه من مسؤوليات، لا توازيه أموال الدنيا؛ فأن تُكسب طالبًا سلوكًا إيجابيًا، أو تُنقذ حياة مريض، أو تُحمي حدود الوطن، أو تَردع أهل الأهواء والفساد، كل ذلك مما لا يُقدّر بثمن.


وفي المقابل، فإن تقصير الموظف أو غيابه أو تقصيره في آداء مهام عمله، قد يخلّف أضرارًا جسيمة لا يمكن تعويضها بالأموال الطائلة، خاصةً إذا ترتب على ذلك انحراف سلوكي لطالب، أو وفاة مريض، أو خلل في الأمن، أو تعطيل لمصالح الناس، أو ضياع للحقوق.


ومن هنا نقول:

إن الراتب، في جوهره، ليس سوى تقدير مالي تقريبي، لا يعكس بدقة حجم الأثر الذي يُمكن أن يحدثه الموظف الصادق في أداء واجبه، كما أن الخصم من الراتب لا يعادل – بأي حال – حجم الضرر الناتج عن التقصير في أداء الأمانة.


نسأل الله لنا ولكم السداد في القول والعمل، ولكم مني خالص التحية والتقدير.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ