رِفقًا بالقَوَارِير
٢٢- رفقًا بالقَوَارِير
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٤/٢١هـ
سلسلة: وصال (٢٢)
وقفة:
حلق بنا أحد الكتّاب ضمن مقال جميل في آفاق العالم السوي، بعيدًا عن عوالم المرضى والمعتوهين، الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
نعم، لقد صوّر لنا بأحرفه ذلك الإنسان الذي يشرق الحنان من ملامحه، وتحيا بين أضلعه المحبة والرحمة.
وذكّرنا بحب رسولنا ﷺ لابنتيه زينب وفاطمة، ووصاياه بالنساء عامة «استوصوا بالنساءخيرًا».
كما ذكّرنا بأولئك الرجال الشجعان، الذين كان يفخر أحدهم فيقول: «أنا أبو فلانة» أو «أخو فلانة»
نعم، المروءة وعلوّ الهمة يكمنان في وجود الأب، أو الأخ، أو الابن الشجاع، الذي تشعر الأنثى أنها تعيش في ظله وهيبته، بعيدةً عن الذل، والإهانة، والعبودية.
وكثير من أولئك الأبطال يتنافسون: من يكون منهم أكثر حظوةً وفرحةً حين يقبل إلى أهله؟
١- قال تعالى:
﴿وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشرِكوا بِهِ شَيئًا وَبِالوالِدَينِ إِحسانًا وَبِذِي القُربى﴾ [النساء: ٣٦]
٢- وقال ﷺ:
“خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.” … رواه الترمذي.
٣- ويقول الشاعر السديري:
ياعل قصر مايجي له ظلالي//ينهد من عالي مبانيه للساس.
جعلنا الله وإياكم ممن يُذكَر بالخير وكرم الخُلق.
——
المقال:
رسالة إلى ابنتي التي لَن تأتي..
لقد بذَلتُ ما في وسعي لتأتين إلى هذه الحياة، لكنّ الإرادة العليا-إرادة الله كماتعلمين-لَم تأذَن.
جاء في خاطري أن تكونين نطفة ثم علَقَة فعظاماً، فيَصيرُ فوق العظمِ لَحما، فتَغدينشيئًا آخر، يقول مَن يرآه:"تبارك الله أحسن الخالقين".
•
ما العمل؟
استولى الذكور في عائلتنا، مساحة كبرى على حساب الأنثى.خمسة رجال، مقابل امرأة.
ومع ذلك، لم نشارك مع الملك عبدالعزيز، ولم ندعم هتلر، ولم نتظاهر لأجل حصارلينينغراد!
شُغلنا بطلب العلم والعبادة والنكاح، عن تسجيل مواقف عظمى في دفتر التاريخ، لكننيأنا وحدي، وقفت أمام الظلم والقبح، فتنكّبني الدهر، عن أفراد أُسرتنا على مرّ تاريخها.
•
جاء في نفسي أن أذهَب بكِ إلى العيادة، لِتَتَلقّي التطعيمات، عن الحصبة و الجدريوالانفلونزا الإسبانية.تبكين، بينما أنا أدسّ يدي داخل عروق يدك، ليتلاشى خوفك.أنأكون بجانبك والمُمَرِّضة الآسيوية، تحمِلُ الآلة التي تثقب شحمَة الأُذن، ثم أُناولهاقرطين مِن ذهَب، ورأسي إلى أعلى.
أن أشتري لك مدينة ألعاب مِن دُمى العرائس، لتتسلّي بها في وحدتك بين أشقائكالذكور.
•
في يومك الدراسي الأول، سوف أنتظرك داخل سيارتي حتى لحظة تخرّجكِ في الجامعة.
لا أدري كيف سأقضي كل هذا الأعوام، وأنا متكوّم خلفَ المِقوَد؟
لا تقلقي:سوف أقرأ كتب أو أتلذذ بنومة قصيرة.
بعد يومٍ دراسيٍ شاق، سأصطحبك إلى دكان المُثلَّجَات لتختاري النكهة الأثيرة لديك،الفانيليا أو الكاكاو أو التوت الأزرق..وما أكثر النكَهات.
•
في المرحلة المتوسطة، بعد أن تكبرين قليلاً وتظهر عليك أمارات جنون النساء، سوفتلاحقك أمك في فناء المنزل وأنت تلعبين كرة القدم برفقة الأولاد في سنك، تحاولمنعك، وفي يدها حذاء تُهدّد به.
ألا ما أقبح طريقة لعبك و تمريرك الكُرَة يا هيلة، ولولا رؤيتي أقدامك في خلقتها الأولى،لقلت أن الله ابتلاك بأقدَامٍ جميعها شِمَال، وإلا فمن يُسدد ضربة كهذه، مضحكة،هشَّمَت أنف الطفل؟
•
ودَدتُ أن أدخلت حجرتك ضُحى يوم السبت، لأستَنشق عبيرك الفواح.أن أراك وأنتتكتبين فروضك المدرسية أو تقرأين في رواية أوليفر تويست، لديكنز، بدلًا مِن دخوليغرفة أشقائك وأنا أضع كمامة، وأرتدي سترة نجاة.
لله ما أجد من هذه الرائحة يا ابنتي.وقعَ عليّ قرف لا طاقة لي به.بِتُ أعتقد أنهم يخفونعنّي جثة أسفل السرير، أو أنهم يكدسون بقايا الطعام المطبوخ لقطط الشوارع، داخلالدواليب.
إذ لا يمكن أن تصدر هذه الرائحة عن جسد إنسان يأكل الطعام المخصص للبشر!
•
تخَيّلتُ يا ابنتي، طيفك في الحياة، يمر بي آلاف المرات وأنت تحملين صينية الغداء أوالعشاء، وأنت تمدين فنجان القهوة، وأنت تحضرين نظارتي لأقرأ، وأنت تقوديني بيديإلى مجوهرات معوّض وأنا أتمنَّع!
تقولين لي:"بس أبيك تشوف"وفي قرارة نفسك، تنوينَ أن تبتلعي ما أبقته أمك، مِنفتات في جيبي.
فاتكِ يا ابنتي أنني مُلكَّع وخبير بالنفس البشرية.
أجزم أنّكِ سوف تكونين مِن المعجبات بشخصي، سيأتي اسمك في أول قائمة الذينيُجرونَ تفضيلًا لِما أكتب أو ويعلمون إعادة لنشر المحتوى.
سأكون في نظرك:بوكوفسكي بغترة وعِقال، أو تشيزاري بافيزي ينتعل زبيرية نجدية.
•
لم يداخلني شك في أنَّكِ ستصبحين غاية في الإبهار، وبالنَظرِ في جيناتك القديمة والحديثة، قَد تغادرين بيت العائلة في مرحلة مبكرة من عمرك-لكَثرَة الخاطبين-إلى بيترجل آخر، غريب، يكتب اسمك في هاتفه الجوال:حبيبتي.
منذ متى أحَبَّك هذا اللعين الكاذب؟
مِن نظرة أولى؟أم مِن المكالمات بينكما بعد عقد القِران؟ألم أقل لكِ:إيَّاك و البربرة فيالهاتف ليلاً؟
•
لكنّ الله عوّضني عن فقدك، بستِّ فتيات جميلات!
بنات أشقائي الأعزاء، اللاتي لا أراهنّ إلا في أيام العُطَل، يلعبن بالآيباد والبلايستيشن،فأنت يا هيلة آخر الجيل الذي لعِب بكرة القدم وتسَلَّق الأسوار.
أنظرُ إليهن نظرة عامة فأشعر بجميل العوَض الإلهي!كنت أتمنى واحدة، فوهبني اللهنصف درزن من البراءة والطيبة وسلامة الخاطر و البِرّ.
هل ضايقك إغفالي لك ههنا، والإسهاب عن غيرك؟
•
ابنتي..
سيقرأ رسالتي لك، ملايين الناس عبر مواقع التواصل، على اختلاف مشاربهم و أرزاقهم.
-منهم مَن سيقول:
"ما الذي أصابه؟"
-ومنهم مَن سيقول:
"أضحَك الله سِنه، أضحكنا هذا المساء".
-ومنهم مَن سيقول:
"لعَلَّه أُصيبَ بعقدة أوديب، أو نظرية فرويد، أو لعنة أتلَتِيكو مدريد".
إياك أن تتأثري بالسوء الطافح عنهم.
إن ما أثارني لأكتب لك يا عزيزتي، هو هذه الصورة التي أرفقتها لك في نهاية النص، حينبعث بها إليَّ غير واحد، وهم يقولون:
"هذا والله قفاك"."هذا قفا بسام الهويمل"ولم يكن قفاي، أيضاً:ولم أكن أنا من يقفأمام حقائب ابنته، يستمع قرع كعْب المُغَادِرِة.
لقد أثار وقوفه فيّ ما لم أعلمهُ، فأردت أن أتصنع نحو مشاعره وأكتب إليك:
إلى ابنتي التي لن تأتي:أفتقدك.
"بسام الهويمل"….. (انتهى النص)
تحياتي وتقديري لكم وللكاتب المبدع.
تعليقات
إرسال تعليق