الحزن الراقي

  ٢١- الحزن الراقي


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٤/١٤ هـ

  • سلسلة وصال (٢١)


⸻ 


“يا عين هلي صافي الدمع هليه//وإليا انتهى صافيـه هاتي سريبه”


بيت شعر شهير، يعرفه معظم الناس في الجزيرة العربية، وهو من قصيدة للشاعرة نورة بنت حوشان الحوشان.


من هي نورة الحوشان؟


هي نورة بنت حوشان بن علي بن دخيل الله بن مدعث الحوشان، من العونة من بني رشيد. عاشت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري إلى أوائل القرن الرابع عشر. شاعرة معروفة، اشتهرت بالكرم والعطف على الفقراء والمساكين، كما نُقل عنها في روايات كبار السن.


تزوجت من عبود بن علي بن سويلم الشلواني العازمي، ورُزقت منه بولد وبنت، وسمّت ابنها “حوشان” على اسم والدها.


قصة القصيدة:


عاشت نورة مع زوجها عبود حياة يسودها الحب والمودة، لكن حدث بينهما خلاف شديد، تخلله الضرب، ولم تكن تلك المرة الأولى، فانتهى الأمر بأن طلقها بالثلاث، فعادت إلى بيت والدها مع أطفالها.


تقدّم لخطبتها كثيرون بعد طلاقها، لجمالها وأصلها، لكنها رفضت الزواج، وفاءً لزوجها عبود.


وذات يوم، كانت مدعوّة إلى مناسبة في قرية قريبة من مزرعة عبود. وبينما كانت تمشي، زلّت قدمها في طريق يمر بجوار مزرعته، وكان معها أبناؤها. رأت عبود في مزرعته، فجلست تحت شجرة، وطلبت من أطفالها أن يذهبوا للسلام على والدهم.


فرح عبود بلقائهم، وسألهم عن أمهم، فأخبروه أنها تنتظر في ظل الشجرة. فأخذ عذق تمر وماء وأرسله إليهم ليقدّموه لأمهم. 

عاد الأبناء إليه، وبقيت نورة في مكانها لم تتحرك. رافقهم عبود حتى أوصلهم إليها، وألقى عليها السلام، لكنها لم ترد، ولم تكلمه. أخذت أبناءها وأكملت طريقها، والحنين يملأ قلبها، فهجست بعبود وتذكرت أيامها معه، وخُطّابها الذين رفضتهم، وقالت قصيدة مؤثرة صار بيت منها مثلًا شعبيًا متداولًا حتى اليوم:


 

القصيدة:


يا عين هلي صافي الدمع هليه//وإليا انتهى صافيـه هاتي سريبه.


يا عين شوفي زرع خلك وراعيه//شوفي معاويده وشوفي قليبه.


من أولٍ دايم لرايه نماليه//واليوم جيّتهم علينا صعيبه.


وإن مرني بالدرب ما أقدر أحاكيه//مصيبة يا كبرها من مصيبة.


اللي يبينا عيت النفس تبغيه//واللي نبي عيّا البخت لا يجيبه.



 موقف والدتها:

حين سمعت أم نورة القصيدة، سألتها:

“يا بنيّتي، دامك تحبّينه، ليه طلبتِ الطلاق منه؟”


فأجابت نورة:


أحبه لو يطبخن ثم يشوين//يا زينه ويا زين لمّه وظمّه.


ويا زين قوله: (هيه، وش تبغين؟)//أحلى من الورع المغاغي على أمّه.



وقفة:

في زحمة الألم، لا يليق بالنفوس النبيلة سوى الحُزن الرّاقي؛ حزنٌ لا يُشكى، ولا يُعلن، لكنه يُنصت ويُعلّم.


نعم، لقد كانت قصة نورة الحوشان واحدة من أجمل القصص الشعبية التي تجسد الوفاء الحقيقي والحنين، وحسن الأدب والعفة، ثم أنها خلدت مشاعرها الصادقة في قصيدة لا تزال تتردد على الألسنة حتى اليوم.


فسبحان القائل:

﴿وَمِن آياتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا لِتَسكُنوا إِلَيها وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّفي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ﴾ [الروم: ٢١]


هذا ولكم خالص ودي وتقديري.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ