ماذا قدّمنا لنُذكر به؟

 ٩- ماذا قدّمنا لنُذكر به؟


✍🏻 بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وإعداد

📆 – ١٤٤٧/٠١/١٩ هـ

سلسلة: وصال (٩)


واقع بعضنا:

في غمرة الحياة، وبين ركض الشباب وتأملات الكهولة، نُعمر، نكافح، ننجح، ونخفق، ثم يغيب عن أذهان كثير منا محاسبة النفس.


تنوع أحوالنا:

منّا الشباب، الذين ما زالوا في زهرة أعمارهم، وعليهم المعوّل، وفيهم الأمل، بعد توفيق الله وحفظه. ومنا من تجاوز عقودًا من عمره، بين تجارب وخبرات، وبصيرة استوت على سوقها.


السؤال:

هل استطاع كلٌّ منا أن يوفِّق، بين احتياجات مرحلته العمرية، ومتطلبات الحياة، وما يمكن أن يُذكر به بعد الرحيل؟


نعم، يمكن أن يحصل خلود الذكر وديمومته إذا استشعر الإنسان في حياته أهمية ذلك الأمر، وعمل له بجد وتفانٍ. ومن تلك الحالات التي تُذكر فتُشكر ما يلي:


الحالة الأولى: الصدقة.

وخير مثالٍ لها، ذلك الأب الذي يوصي أبناءه فيقول:

“اجعلوا معكم شيئًا من المال للفقراء، وأعطوه في السر، فلا تعلم يسار أحدكم ماأنفقت يمينه.

إنها تربية عظيمة على الجود والستر، وامتثال لما قاله ﷺ:

“اتقوا النار ولو بشق تمرة” (متفق عليه).


الحالة الثانية: العلم الموروث.

ما بين أيدينا من إرث ثقافي وعلمي باقٍ، شاهدٌ على جهد عظيم بذله أصحابه. ولسان حالنا جميعًا يلهج لهم بالدعاء، ويعترف لهم بالفضل والجميل، "بعد الله"، وبذلك بقي ذكرهم معنا حتى بعد رحيلهم.


الحالة الثالثة: الكرم الفطري.

وهو ما عُرف به أجدادنا في البوادي والقرى، بل وحتى في الحواضر، حيث يُكرم الضيف ولو لم يُعرف، ويُغاث الملهوف، ويُطعم الجائع، ويُؤوى الضعيف، وقد فعلوه سجيةً وطلبًا للأجر، لا رياءً ولا سمعة.


قال شاعرهم:

وما المالُ إلا ذخيرةٌ للمعادِ//فأكرِم به الضيفَ وابنَ السبيلِ.

فإن كنتَ تبغي به الأجرَ يومًا//فحظُّ الكريمِ بأفعالهِ جليلُ.


وقال الشافعي:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم//وعاش قوم وهم في الناس أموات.



وقفات:

في السنة، أن رسول الله ﷺ قال:

“إذا مات ابنُ آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍيدعو له.

رواه مسلم.


وفي الأثر مثال عظيم على فضل الكرم والسيرة الطيبة، إذ نال عدي بن حاتم الطائي وأخته سفَّانة عفو رسول الله ﷺ بعد أن وقعا في الأسر، وذلك إكرامًا لوالدهما حاتم الطائي، لما عُرف عنه من كرم وسخاء، خلّد ذكره وأنتفع به من بعده.



خلاصة القول:

لقد فُتحت لنا أبواب الخير، وبُسطت سبل العطاء، فلا يُعذر من قعد عنها.

والناس لا تُذكر إلا بمواقفهم، وأثرهم، وسيرتهم، فلنجعل لأنفسنا سهمًا في الخير، سرًّا أو علنًا، كثيرًا أو قليلاً، علّنا نُذكر به يوم لا ينفع مال ولا بنون.

وقد يُقال لأحدنا – في ساعة الرجاء –: “وجبت”، أي: وجبت له الجنة، جزاء لما أبقى خلفه من ذكر حسن.


جعلني الله وإياكم من الموفقين، ومن المذكورين بالخير.

            هذا ولكم تحياتي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ