الحياء
١١-الحياء
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٢/٠٣ هـ
🔹 سلسلة : وصال (١١)
وقفة:
ذلك المصطلح الذي يشعُّ نورًا، ويملأ النفس جمالًا وكمالًا؛ له في القلب وقعٌ لا يُدركه إلا من تأمَّل خفايا النفوس، وسبر أغوار الأخلاق، وعرف أن الفضائل لا تأتي فرادى، بل تتكامل وتتآزر لبناء شخصية فذّة، رفيعة المقام، سامية الروح.
تعريف الحياء لغة:
الحياء خُلقٌ كريم ينبع من النفس الطاهرة، يحمل الإنسان على اجتناب القبيح قولًا وفعلاً، ويمنعه من التقصير في حق الله أو الناس، ويحثه على كل ما هو جميل ومحمود.
تعريف الحياء شرعًا:
الحياء خُلقٌ يبعث على فعل الخير وترك الشر، ويكون من الله، ومن الناس، ومن النفس.
قال النبي ﷺ:
“الحياء لا يأتي إلا بخير” رواه البخاري ومسلم.
وقال أيضًا:
“الإيمان بضع وسبعون شُعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”
رواه مسلم.
من صور الحياء:
١- الحياء من الله:
أن تستحي أن يراك الله حيث نهاك، أو يفتقدك حيث أمرك.
٢- الحياء من الناس:
أن لا ترى نفسك في موضع يُذم فيه الخُلق، أو يُنتقد فيه السلوك.
٣- الحياء من النفس:
أن تعظّم ذاتك عن الوقوع في الدنايا، ولو في الخفاء.
من فضائل الحياء:
حين يُغرس الحياء في نفوس النشء منذ الصغر، فإنه يُهذّب ألسنتهم، ويصون أبصارهم، ويضبط سلوكهم، ويمنحهم توازنًا بين القوة في المواقف والرقة في الطباع. فالحياء ليس ضعفًا، بل هو وعيٌ عميق برقابة الله، وضبطٌ للذات، واحترام للنفس قبل الآخرين.
ويمكن تناول أهم فضائل الحياء من خلال ثلاثة جوانب رئيسة:
أولًا: الحياء يجعل البخيل كريمًا.
البخل طبعٌ جاف، ينطلق من حب التملك والحرص الشديد، لكن إذا استيقظ في نفس البخيل حياؤه من الناس، أو من الله، أو من نفسه، خجل من ردّ السائل، أو أن يُعرَف بين الناس بالشح، أو أن يُعاتبه ضميره على إمساكه.
حينها يندفع إلى العطاء، لا عن سخاء طبع، بل عن حياء رفيع. وقد تصبح هذه العادة مدخلًا إلى تهذيب طبعه بمرور الوقت.
📖 قال الحسن البصري:
“الحياء والتكرُّم يمنعان الرجل من السوء، كما يمنعه الورع.”
ثانيًا: الحياء يجعل الجبان شجاعًا.
الجبان يخاف المواجهة ويتردد عند الشدائد، لكن الحياء إذا غمر قلبه، منعه من أن يُخذّل رفاقه أو يتخلّف عن نصرة الحق، فيدفعه حياؤه إلى الوقوف موقف الرجال، حتى لو كان في داخله خوف، لأنه يستحي أن يُرى في موضع ضعف أو خذلان.
ولذلك قالوا:
“الحياء شجاعة بلا صراخ.”
ثالثًا: الحياء يجعل المقصّر ملتزمًا.
المقصِّر يعلم تقصيره، لكنه قد يستمر فيه لضعف الإرادة أو التهاون. فإذا قام في قلبه حياء من الله، أو من مربيه، أو من قدوته، أحسّ بالخجل من مواصلة التهاون، فسعى إلى الالتزام والتدارك، خجلاً لا خوفًا.
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
“استحيوا من الله حق الحياء… فاحفظوا الرأس وما وعى، والبطن وما حوى.”
خلاصة:
الحياء ليس ضعفًا، بل هو قوة أخلاقية تُلجم الشر، وتدفع إلى الخير، وتحوّل الطباع القاسية إلى سلوك راقٍ، دون ضغط خارجي، بل بدافعٍ من ضمير حيّ، ونفسٍ راقية.
إنه دليل صفاء القلب ونقاء الفطرة، وزينة للروح، ومانع من السقوط في القبح، ولا يأتي إلا بخير، كما قال الصادق المصدوق ﷺ.
قال الشاعر:
يَعِيش المَرْءُ ما استحيَى بِخَيرٍ//ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُ.
فلا واللهِ ما في العيشِ خيرٌ//ولا الدُّنيا إذا ذَهبَ الحَياءُ.
إذا لم تخشَ عاقبة َ الليالي//ولمْ تستَحْي فافعَلْ ما تَشاءُ.
رزقنا اللهُ وإياكم الحياءَ منه, ومن الناس, ومن أنفسنا في السر والعلن.
هذا وتقبلوا خالص تحياتي وتقديري.
تعليقات
إرسال تعليق