عِبْرة: “مع مَن نكون!
٥- عِبْرة: “مع مَن نكون!”
✍🏻 بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📆 ٢٠ / ١٢ / ١٤٤٦ هـ
🔹 سلسلة: وصال
حدّثني أحد كبار السنّ قائلًا:
كان الناس في زماننا يعملون في مزارعهم، ويعتنون بمواشيهم، ونادرًا ما يخرج الرجل—خصوصًا الشباب—من قريته ومحيطها.
وبعضهم لا يتمكّن حتى من الذهاب إلى السوق الأسبوعي، إلا إذا بلغ مبلغ الرجال، لأن كل حركة، وكل كلمة، وكل وقت، كانت محسوبة عليه؛ فضلًا عن المهام والأعمال التي لا تنتهي في القرية، والحاجة الملحّة لعدم مغادرتها.
وذات يوم، وعندما وجد أحد الشباب أنه بلغ سنًّا يؤهّله لمخالطة الرجال، والأخذ والعطاء معهم، طلب من والده السماح له بالذهاب إلى السوق الأسبوعي، كما كانت تُقام الأسواق قديمًا.
وكان هدفه أن يرى ما يدور هناك، ويجلب بعض ما تحتاجه العائلة من أغراض—غالبًا أدوات القهوة أو بيع وشراء بعض المواشي—فالاكتفاء الذاتي كان هو السائد في ذلك الحين.
فوافق والده على طلبه.
وبعد يومٍ حافل بالأخذ والعطاء، والتأمل في أحوال السوق وأحداثه، عاد الابن مسرورًا بتلك النقلة النوعية في حياته. وكالعادة، يستعدّ المتسوّق لسرد أخبار السوق، صغيرها وكبيرها، على من يكونون في انتظاره من الأهل والجيران وبعض المعارف، في جلسةٍ معتادة تُدار فيها دِلّة القهوة، ويبدأ المتسوّق بكلمة: “سلامتكم”، ثم يسرد بعدها كل ما رآه وسمعه:
من أخبار وأحداث، وأسعار الأرزاق والمواشي والحبوب، وأدوات القهوة، والأقمشة (المعروفة حينها بـ “البز”)، ومن قابل، ومَن شاهد، وماذا حصل هناك…
ويكون مستعدًّا كذلك للإجابة عن سيلٍ من الأسئلة والاستفسارات التي ستُطرح عليه من الرجال والنساء والشباب، كلٌّ حسب اهتمامه وحاجته.
ومن أهم ما كان يُنتظر من أخبار السوق، مضمون “ندوة الذكر” التي أُلقيت، وماذا ذكر المتحدّث فيها بالتفصيل.
وتُعدّ هذه الأخبار من الأمور الجليلة في نظرهم، إذ يجتمع الأهل والجيران لسماعها من المتسوّق، فهي كانت الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي يستقون منها المواعظ، والأخبار، وأسعار السوق، وأحوال الناس في محيطهم القروي والقبلي المجاور.
وهنا، وبعد أن فرغ الابن من حديثه، سأله والده السؤال المحوري، بل هو مربط الفرس:
“ماذا استفدتَ من تجربة ذهابك إلى السوق، بعد كل هذه الأخبار الطيبة؟”
فقال الشاب:
“رأيتُ الشيخ يُحادث الشيخ،
وصاحبَ الرأي والمشورة مع من مثله،
والحكيمَ المتزن يتشاور مع من يُشابهه،
والوضيعَ يجالس الوضيع،
وأهلَ المِهن في جلبةٍ مع بعضهم،
وأصحابَ المثالب مع مَن هم على شاكلتهم،
والنساءَ كل مع شبيهتها من النساء.”
ثم أضاف:
“ولذا فقد تأكد لي يا أبي، أن الإنسان السوي يذهب إلى أمثاله من البشر،
وأنّه ليس من الضروري أن نعرف أسماء أولئك الناس لنعلم من يكونون،
إنما نعرف من يُجالسون لنعلم ماذا يكونون.”
فقال له والده:
“صدقتَ يا بُني.”
⸻
تأمُّل:
نؤكّد هنا أن نظر الناس وتقديرهم لشخص الإنسان، وحُكمهم عليه، يكون غالبًا من خلال من يُجالس ويصاحب؛ لأن الجليس عنوان، والصاحب مرآة.
فالتشابه بين الجليسين لا يكون صدفة، بل يدل غالبًا على وحدة في الطباع، أو الفكر، أو الاتجاه. وكأن الجليس مِقياسٌ لصاحبه.
وفي هذا المعنى، نستحضر قول الله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَاةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾
ــ [سورة الكهف، الآية 28]
وكذلك حديث النبي ﷺ:
“إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحذيك، أو تبتاع منه، أو تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يُحرق ثيابك، أو تجد منه ريحًا خبيثة.”
ــ رواه البخاري ومسلم
وكما قال الشاعر:
عنِ المرءِ لا تسألْ وسلْ عن قرينِه // فكلُّ قرينٍ بالمقارنِ يقتدي
⸻
نسأل الله لنا ولكم السداد والتوفيق، وأن يرزقنا الصحبة الصالحة، والمجالسة النافعة، والرفقة التي ترفع المقام.
تعليقات
إرسال تعليق