قصة الحب الخالدة

 ٦- قصة الحب الخالدة.


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 "نقل ومراجعة وتنسيق"

📅 التاريخ: ٢٧ / ١٢ / ١٤٤٦ هـ

🔹 سلسلة: وصال


“أبو العاص "الربيع وزينب”


قصص الحب الخالدة كثيرة، لكن حين تكون بين زينب بنت رسول الله ﷺ، وبين ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، وكان الشاهد عليها سيد البشر ﷺ، فهذه قصة لا بد أن تُروى.


طلب أبو العاص من سيدنا محمد ﷺ يد ابنته زينب، وكان ذلك قبل البعثة، فسألها النبي ﷺ إن كانت تقبل به زوجًا، فأطرقت وقد احمرّ وجهها، فتبسم ﷺ، وتم الزواج.


رزقها الله منه بولدين: علي وأمامة، فمات علي صغيرًا، وتزوج الخليفة علي بن أبي طالب بأمامة بعد ذلك.


ومرت الأيام، وعاد أبو العاص من إحدى سفراته، ليُفاجأ بأن زينب قد أسلمت، فقال لها معاتبًا: “هلا أخبرتِني قبل؟”

فأجابت: “لقد بُعث أبي نبيًا، وما كنت لأكذبه، وقد أسلم معي ابن عمي علي، وصديقك أبو بكر، وابن عمتك عثمان، وإخوتي وأمي. فهلا أسلمت معنا؟”

قال: “لا أريد أن يُقال إنني خذلت قومي… فهلا عذرتِ وقدّرتِ؟”

فقالت: “ومن يعذر إن لم أفعل؟”


"موقف الوفاء الأول" 

⚔️ غزوة بدر


وقعت غزوة بدر، وكان أبو العاص في صف قريش ضد المسلمين، فحزنت زينب وبكت، وقالت:


“إني أخشى أن يُيتم ولدي، أو أفقد أبي…”


انتهت بدر بانتصار المسلمين، وأُسر أبو العاص، فسألت زينب عن مصير أبيها، فقيل لها: “انتصَر المسلمون”، فسجدت شكرًا لله، ثم سألت عن زوجها، فقيل: “أسره حموه” (أي والد زوجته).


أرادت زينب فداءه، فأرسلت بعقد كان لوالدتها خديجة رضي الله عنها.

فلما رآه النبي ﷺ رقّ قلبه، وقال للصحابة:


“أيها الناس، إن هذا الرجل ما ذممناه صهرًا، فهلا فككتم أسره؟ وهلا رددتم إلى ابنتي عقدها؟”

فقالوا: نعم.


أعطاه النبي ﷺ العقد، وقال له: “قل لزينب ألا تفرّط في عقد خديجة”. ثم أسرّ إليه:


“إن الله أمرني أن أفرّق بين مسلمة وكافر، فهلا رددت إليّ ابنتي؟”

قال: نعم. وفعل.


"موقف الوفاء الثاني"

🛡️ الإجارة والأمان في بيت زينب.


خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فهاجمه المسلمون، واستولوا على ما معه. فهرب إلى بيت زينب، وسألته:


“أجئت مسلمًا؟”

قال: “بل جئت هاربًا”.

قالت: “فلا تخف، فقد أجرْتُك”.


وخرجت إلى المسجد وقت صلاة الفجر، وقالت أمام الناس:


“إني قد أجرتُ أبا العاص”.


فأقرّ رسول الله ﷺ جوارها، وقال:


“أيها الناس، إن هذا الرجل ما ذممناه صهرًا، وحدثني فصدقني، ووعدني فوفى، فإن قبلتم أن تردوا إليه ماله فافعلوا”.

قالوا: نعم.


ردّ المسلمون المال إلى أبي العاص، فعاد إلى مكة وأعاد الأموال إلى أهلها، ثم عاد إلى المدينة، وأسلم.




"ثالثا: سنام الوفاء والمحبة الأصيلة"


💍 المراجعة والزواج من جديد، فقد ذهب الربيع بن العاص إلى رسول الله ﷺ وقال:


“يا رسول الله، أجرتني بالأمس، واليوم جئتك مسلمًا. فهل تأذن لي أن أراجع زينب؟”


فأخبر النبي ﷺ زينب، وقال:


“ابن خالتك جاءني اليوم يستأذنني أن يراجعك…” فاحمر وجهها وابتسمت، فكان ذلك إيذانًا بالموافقة.


عاشا معًا عامًا واحدًا فقط، ثم توفيت زينب رضي الله عنها، فبكاها أبو العاص بكاءً شديدًا، وكان يقول للنبي ﷺ:


“يا رسول الله، ما عدت أطيق الدنيا بعد زينب”.


ولم يمكث بعدها طويلًا، إذ توفي بعد عام من وفاتها.


رحمهما الله ورضي عنهما.


وقفة تأمل:


* ﴿وَمِن آياتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكُم أَزواجًا لِتَسكُنوا إِلَيها وَجَعَلَ بَينَكُم مَوَدَّةً وَرَحمَةًإِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ﴾ [الروم: ٢١]


*رأفة رسول الله ﷺ بابنته زينب، وسماحه لها بالبقاء في بيت الزوجية رغم اختلاف العقيدة، تجلٍّ نبويّ نادر في الحكمة والرحمة، وكيف أثمرت تلك الرأفة وفاءً خالدًا.


*وفاء الربيع بن العاص لرسول الله ﷺ، ولزوجته زينب، رغم اختلاف العقيدة، شاهد على أن المبادئ الرفيعة لا تفسدها الفوارق الظاهرة، بل تزيدها نقاءً وصدقًا.


*إجازة رسول الله ﷺ لإجارة زينب لزوجها الربيع، صورة أخرى من صور الإنصاف، والوفاء، واحترام مشاعر الأبوة والزوجية والإنسانية.


*لقد كان تبادل المعروف والوفاء بين أبطال هذه القصة سببًا في تلك النهاية السعيدة، التي اكتملت بإسلام الربيع، وعودة حيتهما إلى مجراها الطاهر، لتُستكمل رحلة الحبالخالدة إلى أن شاء الله.


أسعد الله حياتكم وجميع أوقاتكم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ