التغافل سمة الكرام
٧ "التغافل سمة الكرام"
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ٠٥ /٠١ / ١٤٤٧ هـ
🔹 سلسلة : وصال (٧)
"إنَّ الكريم إذا خادعته انخدعا"
فن التغافل:
التغافل فنٌّ يقوم على حسابٍ دقيق؛ فهو في ظاهره قد يبدو غباءً أو غفلة، لكنه في حقيقته حكمة، وصبر، وذكاء، وحسن نية، وتخطيط، فليست كل هفوة تستدعي التدخل.
———
أولا: قيل في التغافل:
✅التغافل في القرآن:
قال تعالى: ﴿ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْيُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 77].
✅التغافل في السنة:
أن أعرابيًّا جذب بشدة بردةٍ كان يلبسها النبي ﷺ وهو يمشي، حتى أثرت في صفحة عاتقه، ثم قال: “مُر لي من مال الله الذي عندك”، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء.
وغيرها كثير
✅التغافل عند الصحابة والعلماء:
١- قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
“فاز بالمروءة من امتطى التغافل، وهان على القرناء من عُرِف باللجاج.”
٢- قيل إن الإمام ابن حنبل سُئل: «أين نجد العافية؟» فقال: «تسعة أعشار العافية في التغافل عن الزلات»، ثم قال: «بل هي العافية كلها».
٣- قصة الطوسي مع هارون الرشيد:
وهي قصة مشهورة تُروى حول هذا المثل: “إنَّ الكريم إذا خادعته انخدعا”، حيث غضب هارون الرشيد على الشاعر حميد الطوسي وأمر بضرب عنقه، فبكى حميد الطوسي.
فسأله الرشيد عن سبب بكائه، فأجابه بأنه لا يخشى الموت، وإنما يحزن أن يخرج من الدنيا وأمير المؤمنين عليه غاضب.
فضحك الرشيد وقال: “إن الكريم إذا خادعته انخدع”، ثم عفا عنه وأكرمه.
⸻
✅ التغافل عند الأدباء:
قال ابن عاشور: إظهار الانخِدَاع مع التَّفطُّن للحيلة إذا كانت غير مُضِرَّة فذلك مِن الكرموالحِلْم.
وقال جبران خليل جبران: إذا تعلمت التجاهل فقد اجتزت نصف مشاكل الحياة.
وقال مالكوم إكس: إذا لم تتقن التجاهل ستخسر الكثير أولهم عافيتك.
✅ التغافل عند الشعراء:
قال الشاعر الكبير الفرزدق:
“استمطروا من قريش كلَّ مُنْخَدِعٍ//إن الكريم إذا خادعته انخدعا.”
وقال أبو تمام:
لَيسَ الغَبيُّ بِسَيدٍ في قَومِهِ//لَكِن سَيِّدُ قَومِهِ المُتَغابي.
وقال آخر:
لولا التجاهل والتغاضي ما بقى معنا رفيق//ولولا تغاضي الناس عنا كان ما جزنا لأحد.
⸻
ثانيًا: صور التغافل :
١- تغافل الوالدين مع الأبناء:
الأب والأم المتغافلان عن الهفوات الصغيرة يكسبان ود أبناءهما على المدى الطويل، وهذا ينطبق على كل العلاقات الأسرية والإنسانية.
٢- تغافل القادة:
القائد الناجح، والزوج المميز، والمعلم الحكيم؛ جميعهم يُدركون الأخطاء، ولكنهم يضعون كل شيء في موضعه،
فيعاقبون بقدر، ويصفحون بحكمة، فيكسبون سلامة القلب، وتفرغ العقل، وولاء من حولهم.
٣- التغافل في حياتنا اليومية:
إذا كان الإعراض عن الزلات والهفوات، وكظم الغيظ مع العامة من الجود والشهامة، فإن في حياتنا اليومية مواقف يُعدُّ تجاوزها من التوفيق.
وذلك حين يُشير عليك أحد الأقرباء، أو الأبناء، أو حتى العمالة التي تخدمك، بمشورةٍ ظاهرها النصح، وباطنها المصلحة الخاصة؛ فالتغافل هنا سموُّ خُلق، وسعةُ صدر، وجبرُ خاطر.
⸻
ثالثًا: أهمية التغافل:
١- يُحسّن العلاقات
•التغافل يدعو إلى السلام والمحبة، ويُبقي الود، وفيه أجر، ويُعين على تجاوز المشكلات، ويجلب الراحة النفسية للفرد والمجتمع.
٢- يُجنّب المشاكل
•المتغافل قد يكون فطنًا يُدرك حيلة الخادع، لكنه يختار الصمت رفقًا، ويتجنب الدخول في مشاحنات اتقاءً للفتنة، أو سموًّا عن الصغائر.
٣- يُريح البال
•التغافل قوة نابعة من طيبة القلب، وسلامة الصدر، وحُسن الظن، لا من ضعف الشخصية أو الجهل بالحيلة، فيجعل الإنسان يعيش في سلام مع نفسه ومع الآخرين..
⸻
ختاما:
رزقني الله وإياكم اتباع هذا التوجيه الرباني:
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: 134]
ولكم تحياتي وتقديري.
تعليقات
إرسال تعليق