صفٌّ واحد ضد الإسراف

 ٨- “صفٌّ واحد ضد الإسراف".

✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠١/١٢هـ

  • سلسلة: وصال (٨)


“بمناسبة حلول مناسبات الصيف”


أولًا:

رجلٌ أنعم الله عليه، ويملك خيرًا كثيرًا، عدوه الأول الإسراف والبطر. وقد حدثني أحد أفراد أسرته عنه، قائلاً:

١-إذا طلب منه والده وإخوته تجهيز مناسبة بثلاث ذبائح، جهّزها بذبيحتين فقط، وإذاطُلب منه ذبيحتان خفّضها إلى رأسٍ واحد، ويكون فيها بركة.


٢-يُلزم أبناءه بجمع ما نُثر على السفرة وتناوله، قبل أن يغادرها الابن أو الابنة.


٣-أقام مشروعًا مشتركًا بينه وبين إخوته، تديره النساء، يقوم على عدم رمي ملابس الرضّع والأطفال بعد كبرهم عليها، بل تُغسل وتُطوى وتُحفظ في مكان محكم، حتى يوجد من تناسبه من أطفال العائلة، ولا تُرمى إلا بعد أن تُستهلك تمامًا.


وفي المقابل:

•تكفّل برعاية العديد من الأسر الفقيرة، ويتابع أحوالهم باهتمام.

•يشارك في بناء المساجد وتأثيثها إذا طُلب منه ذلك.

•يعين الملهوف والمحتاج بسخاء، إذا تأكد من صدق حاجته.


في أي خانةٍ نعدّ عمله؟

أيهما أكرم: من يضبط الإنفاق ويحفظ النعمة؟

أم من يقول: “زيدوا المتاع وكثّروا، كي لا ينقص شيء!” ثم يبرّر ذلك بوجود جمعية لحفظ النعمة؟!


نعم، من الأجدى لمن لديه فائض من المال أن يستثمره في الصدقة، أو في مشاريع خيرية تعود عليه، وعلى البلاد والعباد، بالنفع.


ونتيقن أيضًا أن الكرم الحقيقي هو أن نغرس في أبنائنا مضمونَ قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“اخشوشنوا، فإنّ النِّعَم لا تدوم.”


ونقدّر فكرة تدوير ملابس الأطفال، وما شابهها، إذ تحمل في طيّاتها أدبًا جمًّا مع ما نحن فيه من وفرة النِّعَم، وتُؤصّل في النفس خُلُق التواضع، وحُسن التدبير.



ثانيًا:

رجلٌ آخر ممن أنعم الله عليهم، لديه عدد من البنات، اعتاد أن يرسل إليهن شهريًا رمز عطاء بسيط، لكنه مستمر ودائم.

وإذا زارته إحداهن، أكرمها بما يليق، دون تهويل أو مبالغة، وإذا ودعته، أعطاها في يدها ما يسّر الله، بدلًا من إقامة مناسبة ضخمة باسمها أو باسم “البنات كافة”.


أليست الابنة أو الأخت أقل من يستفيد من تلك العزائم والمناسبات؟

حتى أنها لا تشارك كبيرات السن والضيوف في الجلوس على المائدة، كونها “صاحبة البيت”، ولا بأس في عرفهم أن تتأخر حتى ينجز الآخرون المهمة ويهلكوا الطعام.


أليس ما تحصل عليه تلك البنت أو الأخت سنويًا بهذه الطريقة، خيرًا وأكرم وأجدى من عزيمة يحضرها ثلاثمائة شخص، ويكون نصيبها منها عشرون جرامًا من اللحم وحبة فاكهة.



ثالثًا:

تلك صورتان من صورٍ كثيرةٍ مشرقة، تُعبّر عما عليه السواد الأعظم من أهل الخير في هذا الوطن الطيب، بمختلف جهاته وفئاته ومؤسساته. أما السلوك المتطرف في عدم تقدير النعمة، فهو ممارس من فئة قليلة جدًا، لكنها — رغم قلتها — تُقلقنا أفعالها وتصرفاتها، خشية من الله، وحرصًا على مقدرات الوطن، واستشعارًا للمسؤولية المجتمعية والإنسانية.


ورغم قلّة صور الإسراف، إلا أنها تتجلّى بوضوح في مناسبات الزواج خاصة، وما يسبقها أو يتلوها من ممارسات دخيلة، استوردنا بعضها من خلف البحار، دون تمحيص ولا مراعاة لواقعنا وقيمنا.


نعم، قد نلاحظ تباين الآراء حيال ذلك؛ فمن الناس مَن يرى أن الحديث في هذه القضايا يُعد تدخّلًا في الحريات الشخصية.

وآخرون يرون أن الدعوة إلى الاقتصاد والاعتدال واجب أخلاقي ومسؤولية مجتمعية، تحتاج إلى وعي ثقافي وتنظيم أدبي يضبط السلوك ويهذب الذوق العام.


وهناك من يقول:

المرجع في ذلك إلى الضمير الحي، وإلى ما نشعر به في قرارة أنفسنا بعد انقضاء المناسبة.

هل نشعر بالرضا وقد مرّت المناسبة في تعقّل وهدوء، أم نشعر بالفراغ والندم بعد صخبٍ وإسرافٍ ومبالغةٍ ليس لها معنى؟.

ومن هنا نضبط سلوكنا ذاتيا، ونستأنس بما أرشدنا الله إليه في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.


فقد  قال تعالى:

﴿وَلا تَجعَل يَدَكَ مَغلولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبسُطها كُلَّ البَسطِ فَتَقعُدَ مَلومًا مَحسورًا﴾[الإسراء: ٢٩]


ويقول تعالى:

﴿وَآتِ ذَا القُربى حَقَّهُ وَالمِسكينَ وَابنَ السَّبيلِ وَلا تُبَذِّر تَبذيرًا﴾ ﴿إِنَّ المُبَذِّرينَ كانوا إِخوانَالشَّياطينِ وَكانَ الشَّيطانُ لِرَبِّهِ كَفورًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧ ].


وعن النبي ﷺ قال:

«كُلُوا واشربوا وتصدقوا والبسوا، في غير سرف ولا مخيلة».

رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.


وقال ﷺ في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، حين كان يتوضأ:

«ما هذا السرف؟»

قال: أفي الوضوء إسراف؟

قال ﷺ: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ»

📚 رواه ابن ماجه.


الخلاصة:


نرجو ألّا نُسيء الظنّ بأحد، فثمّة من تُفرض عليه ظروفه أو عاداته مثل تلك الممارسات، أو تجبره فطرته وجيناته على سلوكٍ يعدّه البعض من الكِبر والخُيلاء، بينما هو يتقرّب به إلى الله. لذا فلنلتمس لهم العذر، وما أوردناه إنما هو للتذكير، ومراعاة ما يلي:

•النِّعَمُ لا تدوم لمن لا يُقدّرها، والإسرافُ مَظنّة الزوال.

•لباسُنا، ومأكلُنا، ومشربُنا، ومناسباتُنا، شاهدةٌ على ثقافتنا، وتواضعنا، وتقديرنا لنِعَمِ الله.

•المفاهيم قد تغيّرت؛ فما كان يُعدّ وجاهةً قبل خمسين عامًا، قد يُعدّ اليوم عبئًا، أو إسرافًا، أو تخلّفًا.


هذا ولكم خالص ودي وتقديري.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ