يا مقلب القلوب

 يا مقلب القلوب


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٢/١٧هـ

  • سلسلة: وصال (١٣)


﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾….﴿وَلَو شِئنا لَرَفَعناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخلَدَ إِلَى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلهَث أَو تَترُكهُ يَلهَث ذلِكَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا فَاقصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥–١٧٦].


أولا: 

انتكاسة بلعام بن باعوراء:

في تفسير الآيتين السابقتين ورد ما رواه محمد بن إسحاق: أنه لما نزل موسى عليه السلام أرض بني كنعان من أرض الشام، كان فيهم رجل صالح من بني إسرائيل يُدعى بلعام بن باعوراء، وكان مُجاب الدعوة، لصلاحه ومعرفته باسم الله الأعظم الذي لا يُدعو به إلا أُجيب.


فجاءه قومٌه الذي يُقال إنهم من العماليق، وقالوا له: “هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء ليُخرجنا من بلادنا، ويقتلنا، ويُحلّها بني إسرائيل. وإنّا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مُجاب الدعوة، فاخرج فادعُ الله عليهم”.


فأبدى كرهه لما دعوه إليه، لكنهم ألحّوا عليه وأغروه بالمال وقيل بالنساء، فضعف وافتتن.


فجعل يدعو على موسى وقومه، فلا يدعو عليهم بشرّ إلا وقع على قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله إلى بني إسرائيل.

فلما لامه قومه، قال: “هذا أمرٌ قد غُلِبْت عليه”.


ويُقال إنه لما لاحظ بوادر غضب الله عليه، وذهاب ما أُوتي من المكارم، انتكس، ثم أمر ببعض المعاصي رجاء أن يقع فيها بعض قوم موسى، فيخرجوا بذلك من طاعة الله، وينهزموا. لكنّ الله نصر عباده، وهلك بلعام ومن معه من العصاة.



ثانيا:

قصة جبلة بن الأيهم:

هو جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث بن أبي شمر، واسمه المنذر بن الحارث، ابن مارية ذات القرطين، وكان من ملوك نصارى العرب.


وفي رواية ابن الكلبي:

أن جبلة أسلم، وشارك في معركة اليرموك مع أبي عبيدة بن الجراح قبل أن يتولى القيادة خالد بن الوليد، وفرح عمر رضي الله عنه بإسلامه، ثم استدعاه إلى المدينة.


وقيل: بل استأذنه جبلة في القدوم، فأذن له، فقدم في جمعٍ من قومه قيل إنهم مئةوخمسون راكبًا. فلما دخل على عمر، رحّب به وأدناه من مجلسه، وشهد الحج معه في تلك السنة.


وبينما هو يطوف بالكعبة، وطئ رجل من بني فزارة إزاره فانحل، فرفع جبلة يده وهشم أنف الرجل.


فقال له عمر: “أقدته منك”، أي أنصفه من نفسك بالقصاص أو غيره، أو يُؤخذ منك الفداء.


فقال جبلة: “كيف؟! وأنا ملك، وهو سوقة؟”


فقال عمر: “إن الإسلام جمعك وإياه، ولست تفضله إلا بالتقوى”.


قال جبلة: “كنت أظن أن أكون في الإسلام أعزّ مني في الجاهلية!”


فقال عمر: “دع عنك هذا، فإن لم ترضَ الرجل أقدته منك”.


فقال: “إذاً أتنصر”.


قال عمر: “إن تنصرت ضربت عنقك”.


فقال: “سأنظر في أمري هذه الليلة”.


فلما جنّ عليه الليل، هرب بمن أطاعه إلى الشام، ثم دخل على هرقل في القسطنطينية، فرحّب به وأقطعه بلادًا، وأكرمه، وجعله من سُمّاره، فأقام عنده دهرًا.


وقد أرسل عمر رضي الله عنه بعض أصحابه في مهمات إلى بلاد الروم، وطلب منهم – إلى جانب ذلك – دعوةَ جبلة إلى العودة إلى الإسلام، إلا أنهم وجدوه قد انغمس في اللذائذ، واستثقل الرجوع، رغم ما كان يظهر عليه من ندم، ويشهد على ذلك قصيدته المشهورة:


تنصّرت الأشراف من عارِ لَطمةٍ

وما كان فيها لو صبرتُ لها ضررُ


تكنّفني فيها لجاجٌ ونخوةٌ

وكنتُ كمن باع الصحيحةَ بالعَوَرِ


فيا ليتَ أمي لم تلدني، وليتني

رجعتُ إلى القولِ الذي قاله عمرُ


ويا ليتني أرعى المخاضَ بفَقرةٍ

وكنتُ أسيرًا في ربيعة أو مضرُ


ويا ليتَ لي بالشام أدنى معيشةٍ

أُجالسُ قومي، ذاهبَ السمعِ والبصرِ



ثالثا:

إضافةً إلى ما سبق، فهناك في زماننا هذا كثيرون ممن زلّت أقدامهم بعد الثبات، أو انحرفوا بعد الهداية.

ولا ندري، فلعلّ أحدهم – أو بعضهم – قد تاب قبل الموت، فتاب الله عليهم.

نسأل الله العافية، والثبات على الحق حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.



المستفاد من القصة:


أولا: 

خطر الانتكاسة بعد الهداية:

١- بلعام بن باعوراء كان عالمًا أوتي آيات الله، وقيل إنه يعلم اسم الله الأعظم، وكان مُجاب الدعوة، لكنه انسَلخ من الآيات وخسر الهداية.


٢- المعرفة وحدها لا تعصم من السقوط، ما لم تكن مقرونة بالخوف من الله والتقوى والثبات.


٣- الانتكاسة قد تأتي من الطمع، أو الهوى، أو ضغط الناس، أو الكبر على الحق.


ثانيا:

١- خطر الفتن وحيل الأعداء:


١- بلعام، حين فشل في الدعاء على موسى وقومه، لجأ إلى الحيلة، فخطط ليفتنّ بني إسرائيل.


٢- الفتنة خطر على الصالحين، فموسى عليه السلام، وهو نبيّ، لم يستطع منع البلاء حين اخترق الضعف صفوف قومه.


٣- من سبل النجاة التي يرفع الله بها البلاء، وتحفظ الإنسان من الوقوع في الفتن، الدعاء، والحزم، وعدم السكوت على المنكر.


ثالثا: الخلاصة:


لا أحد في مأمن من الفتنة.

ومهما بلغ الإنسان من العلم، فالثبات على الحق هو النعمة الكبرى.

وكما أن المرأة الصالحة رفعة لقومها ودينها، فإنها قد تكون معول هدم إذا استُغلت في سبيل الشهوة والابتذال.

وإن الشباب، إذا لم يُحصَّنوا بالإيمان والتعفف والتربية، كانوا هدفًا سهلاً في الحروب النفسية والأخلاقية.


نسأل الله لنا ولكم الثبات على الدين، والصدق في القول والعمل.

ولكم تحياتي.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ