هدبة بن خشرم

  ٤٩- ” هدبة بن خشرم “


✍️ بقلم: عوض آل شائع  

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/١١/٠٣هـ

🔗 سلسلة: وصال (٤٩)


قصة الشرارة التي أشعلت النار في قلب

 ”هدبة بن خشرم “


من الشعر ما قتل، على وزن "ومن الحب ما قتل" فحقًا إن الأفكار أو الكلمات يمكن أن تقتل أو تتسبب في القتل ويعتبر الشعر واحد من الكتابات الأدبية المؤثرة بدرجة كبيرة والتي يمكن أن تهيج المشاعر حتى تصل بها إلى الحد الذي يخرجها عن السيطرة، ولنا في قصة قتل المتنبى مثال واضح على ذلك إذ كان قد هجا رجلًا من بني أسد فخرج له جماعة من بني أسد لقتله وعندما علم بالأمر هرب فعندما رآه ابنه هاربًا قال له يا أبي وأين قولك، الخيل والليل والبيداء تعرفني***والسيف والرمح والقرطاس والقلم، فقال المتنبي لولده قتلتني يا ابن اللخناء، فرجع للمتربصين به وقاتل إلى أن قطعت رأسه، وغيره عدد من الشعراء، ويقال أن حواره كان مع خادمه.


هدبة بن خشرم

هو هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حيّة من بني عامر بن ثعلبة بن عبد للّه بن ذبيان بنالحارث، أما أمه فهى حيّة بنت أبي بكر ابن أبي حيّة من أقاربه الأدنين، وينتمي هدبة إلىجماعة من القوم يعيشون في بادية الحجاز، وكان هدبة شاعرًا فصيحًا في زمانه إلا أنعصبيته ولسانه أوديا به إلى القتل.


الشرارة التي أشعلت النار في قلب هدبة بن خشرم، 

بدأت القصة عندما كان مجموعة من القوم في طريقهم إلى الحج وكانوا آتين من بلاد الشام إلى الحجاز.


وكان مع الركب هدبة بن خشرم وأخته فاطمة، وقد أتى معهم زيادة بن زيد وهو ينتمي إلى بني رقاش بن قرة، فقام زياد بالتغزل بفاطمة أخت خشرم، ولم يحفظ أدبه وتمادى زيادة في قوله عنها وغزله بها، مما أثار حفيظة هدبة ففعل مثله وتغزل في أخته أم خازم.


لم يتحمل زيادة ما قاله هدبة في أخته أم خازم فقام بسبه فرد عليه هدبة السباب وزادا لأمر بينهما، وهنا تدخل القوم المصاحبون لهم وحاولوا الفصل بينهما خوفًا من أن يشتد الشجار بينهما فيحدث ما لا تحمد عقباه، 

فانفصلا إلاّ أن هدبة كان قد أوغر صدره ونقم كثيرًا على زيادة بسبب إحساسه بأن زيادةتفوق عليه إذ تغزل بأخته وهى حاضرة وسمعت ورأت ما حدث على عكس أم خازم التيلم تكن حاضرة، وبالفعل ابتعد الاثنان عن بعضهما إلى أن انتهى الحج وعادوا إلىمضاربهم.


أثرت تلك الحادثة على العلاقة بين الاثنين وأصبحت العداوة بينهما واضحة وظهرتبصورة جلية في المعارضات الشعرية بينهما وكان المتفوق بها غالبًا هدبة، ولكن رغم ذلك لم يشف غليل هدبة وظل يتربص بزيادة إلى أن أتته الفرصة المناسبة فتقاتلا وقتل هدبة زيادة.

تم القبض على هدبة وقد كان الوالي في تلك الفترة هو سعيد بن العاص ولم يشأ سعيدبن العاص أن يقوم بمهمة إصدار حكم القصاص فقام بإرساله إلى الخليفة معاوية بنابي سفيان حتى ينظر في الأمر.


وقف الخصمان بين يدي الخليفة للحكم بينهما، هدبة وعبدالرحمن أخو زيادة، وقدأفاض عبدالرحمن في الاتهام حتى يوغر صدر الخليفة ضد هدبة، فسمح الخليفة لهدبةبالحديث فخيره هل يتحدث بالشعر أو كلامًا عاديًا فاختار الخليفة الشعر فقال هدبة:


رمينا فرامينا فصادف رمينا//منايا رجال في كتاب وفي قدر.


وأنت أمير المؤمنين فمالنـا//وراءك من معدى ولاعنك من قصر.


فإن تك في أموالنا لم نضق بهـا//ذراعاً وإن صبراً فنصبر للصبر.


هنا قال معاوية بأن شعرك اعترافا بالقتل، فرد هدبة بنعم.

كان الدارج أن يُنفذ القصاص ابن القتيل وقد كان لزيادة ولد يسمى المسور إلا أنه لم يبلغ الحلم بعد، فترتب على ذلك أن يتم حبس هدبة إلى أن يبلغ المسور الحلم وقيل بأنه تم حبسه ثلاث سنوات وقيل خمس وقيل ست، وعندما بلغ المسور الحلم تم اقتياد هدبة إلى الوالي سعيد بن العاص حتى ينفذ القصاص.

وهو في الطريق شاهد زوجته وكانت امرأة جميلة فقال لها:


أقلي علي اللوم يا أم بوزعا//ولا تعجبي مما أصاب فأوجعا.


ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا//أغم القفا والوجه ليس بأترعا.


وحلى بذي أكرومة وحمية وصبرا//إذا ما الدهر عض فأسرعا.


وعندما مثل بين يدي الوالي تحدثت زوجة هدبة فقالت إن لهدبة عندها أمانة فهل يسمح القاضي بالانتظار إلى تأتي له بأمانته، فقال لها الوالي فلتسرعي بإحضارها.


فذهبت وتوجهت إلى جزار فأخذت السكين وقامت بقطع أنفها وشفتيها ثم عادت وقالت لهدبة (أتراني متزوجة بعد ماترى ؟ فقال هدبة : لا , الآن طابت نفسي بعدالموت).


حاول الوالي سعيد حتى آخر لحظة أن يحصل لهدبة على العفو من أولياء الدم، فبذل محاولة أخيرة قبل تنفيذ الحكم إلا أن عبد الرحمن أخو زيادة قال للوالي أنه كان من الممكن أن يعفو ويسامح هدبة في قتل أخيه زيادة بدية أو حتى بدون دية، إلا أن هدبة قال بيتًا من الشعر لن يستطيع عبدالرحمن أن يعفو عن هدبة بسببه ومهما حاول فهو سيذكر دائمًا قوله:

(لنجدعن بأيدينا أنوفكمُ//ويذهب القتل فيما بيننا هدرا).


يمنعني هذا البيت من العفو عنه، وبالفعل تم تقديمه لتنفيذ القصاص وكم كان يبدو عليه الحسرة والندم ولكنه طلب أن يصلي ركعتين، فصلى وحاول أن يخفف ولا يطيل حتى لا يقولوا بأنه يماطل حتى لا ينفّذ القصاص، وهيهات أن يسكت لسان هدبة فقال بيته الأخير قبل التنفيذ:

(فإن تقتــلوني في الحديد فإنني//قتلت أخاكم مطلقاً لم يقيد).


في محاولة منه لإفساد أجواء القوم وإفساد أجواء النصر لديهم وبالفعل نفذ المسورالقصاص في هدبة.


قيل أيضًا في تلك القصة بأنه تم عرض دية كبيرة على ابن القتيل حتى يعفو عن هدبةوبالفعل كاد أن يقبل، إلا أن أمه قالت له (أعطي الله عهدًا، لئن لم تقتله لأتزوجنه فيكونقد قتل أباك ونكح أمك)، فخاف أن تنفذ أمه تهديدها فقتله.

رحمهم الله جميعا وعفا عنا وعنهم.


هذا ولكم خالص ودي وتقديري.


 


 


 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ