جابر عثرات الكرام

 ٤٨- جابر عثرات الكرام


✍️ بقلم: عوض آل شائع

📝 جمع وأعداد"

📅 التاريخ: ١٤٤٧/١٠/٢٥هـ

🔗 سلسلة وصال (٤٨) 

  • —————————

 

تلقيت رسالة من أحد الأصدقاء المقرّبين، يوصيني فيها بنشر مقطوعة من تراثنا العظيم. إنها لم تكن غريبة عليّ؛ فقد مرّت بي ضمن قراءاتي قبل عقدين أو أكثر، لكنها استطاعت أن تستدر دموعي من جديد.


ذلك أنّ الحياة، منذ الأزل، لم تخلُ من أناسٍ أساؤوا إلى الأيادي التي امتدت إليهم بالمعروف، فجازوا الإحسان بالنكران، وتركوا الأوفياء يذوقون مرارة الغبن والقهر، دون أن يجدوا من ينصفهم من أولئك اللئام، كما حدث من فرجٍ مع "جابر عثرات الكرام". 

بل مات كثير منهم وصدورهم مفعمة بالحزن والأسى.


ومع ذلك يبقى الأمل معقودًا بالله جلّ وعلا، فهو جابر عثرات الكرام الحق، الذي لا يخفى عليه شيء في السماوات ولا في الأرض، ولا ما كان ولا ما سيكون. قال تعالى:

﴿فَمَن يَعمَلْ مِثقالَ ذَرّةٍ خَيرًا يَرَهُ * وَمَن يَعمَلْ مِثقالَ ذَرّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾


القصة: 

ونحن الآن مع القصة؛ فمن سبق أن قرأها فهي تذكرة، ومن يطالعها لأول مرة فهي موعظة وعبرة.


( خُزيمة بن بشر ) 

كان هذا الرجل ميسور الحال ينفق على كل فقير ومحتاج حتى الذين لديهم مال، كانيعطيهم ..


حتى دارت عليه دائرة الدنيا والأيام فأصبح فقيراً معدماً ..


فجاء بعض الذين كان يعطيهم من خيره ويمد لهم يد العون فأعطوه شهرًا أو شهرينثم ملوا وتوقفوا عن مساعدته.

فأغلق باب بيته عليه وهو لا يجد ما يسد به الرمق هو وزوجته ..


وكان الوالي المكلف في منطقة الجزيرة يدعى:( عكرمة بن الفياض).


وله معرفة بخُزيمة بن بشر فسأل عنه ..

فقيل له: لقد افتقر خُزيمة وأصبح لا يملك قوت يومه وأغلق بابه ..


فاندهش عكرمة قائلاً: خُزيمة افتقر ؟؟

ولَم يجد ممن كان يعطيهم ليقف معه ؟؟


خزيمة الذي كان يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر ؟؟


وفِي الليل والنَّاس نيام خرج عكرمة الفياض الوالي وأخفى وجهه

وهو يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً حتى بلغ دار خزيمة ثم طرق الباب

قال خُزيمة : من ؟

قال عكرمة : ضيف

ففتح خزيمة

ووضع عكرمة الحمل من ظهره وقال :هذا لك

قال خُزيمة : ومن أين ؟

قال عكرمة : من مال الله

قال خُزيمة : ومن أنت؟

قال عكرمة : جابر عثرات الكرام.

قال خزيمة :

بالله عليك عرفّني من أنت ؟؟

قال : جابر عثرات الكرام، ثم انصرف مسرعاً.

قال خزيمة لزوجته :

أشعلي لنا فانوسا لنرى ماذا أحضر الرجل المُلثم؟.

قالت : ليس لدينا فانوسا ولا حطب نوقده.

فأخذ عكرمة يتلمس الكيس في الظلام حتي انفلق الصباح،

وعندما فتحه وجدها أربعة آلاف وخمسمائة دينار، وكان الألف دينار يعادل أربعة كيلوذهب ومائتين وخمسين جراماً،

فشكر خُزيمة ربه وقضى دينه وأصلح حاله.


وعندما رجع الوالي عكرمة إلي بيته وجد زوجته تولول وتقول : لا يخرج الوالي في هذهالساعة إلا لزوجةٍ أخرى،

قال : لا والله.

قالت : إذن أخبرني أين كنت ؟

قال : لو أردت إخبارك أو إخبار أحد لما خرجت متخفياً ليلاً،

قالت : يجب أن أعرف وألحت ولَم تنم حتى قَص لها القصة وقال: اكتمي السر ولاتحدثي به حتى نفسك.


وبعد فترة ذهب خزيمة إلي أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك

فسأله : أين كنت يا خزيمة لم نسمع عنك من زمن فقص عليه القصة فقال الأمير : ومنجابر عثرات الكرام؟

قال : لم أعرفه ورفض إخباري

قال الأمير : ليتك عرفته،

ثم أمر بمنح دنانير أخرى ل خُزيمة وأصدر امرا بإعفاء (الوالي عكرمة الفياض)،

وتعيين خُزيمة والياً لمنطقة الجزيرة ورجع خُزيمة ودخل قصر الوالي وهو يحملمرسوم العزل وكان في استقباله عكرمة بنفسه وسلمه أمر العزل

 فقال عكرمة : كله خير.


ثم قال خُزيمة : أريد أن أحاسبك على مال المسلمين،

فرحب عكرمة بذلك فوجد خُزيمة مبلغاً من المال غير موجود.

فقال خُزيمة : أين المال يا عكرمة؟.

قال : ليس معي.

قال : إذن رُده من مالك.

قال : لا أملك أي مال خاص.

قال : إما المال أو السجن.


وسجن عكرمة ردحاً من الزمن، ووضعت له الأغلال الثقيلة في كتفيه وظهره حتى ضعفجسمه وتغير لونه،


وعندما سمعت زوجة عكرمة بما حدث لزوجها الوالي المعزول.

ذهبت الي خُزيمة وكانت هي إبنة عّم خُزيمة وقالت له :

يا خُزيمة ما هكذا يُجازي جابر عثرات الكرام،

فانتفض خُزيمة مفزوعاً قائلاً : هل هو عكرمة ؟

يا ويلتاه وهرول إلى السجن دون أن يسمع شيئا آخر.

وأخذ يفك الأغلال من عكرمة بيديه ويبكي وعكرمة يسأله :

ماذا حدث ولماذا تبكي ؟

قال خُزيمة : من كرمك وصبرك وسوءِ صنيعي.

كيف أنظر في وجهك ووجه ابنة عمي؟


فأمر له بالكساء والغذاء وعندما استوى عوده،

قال له: هيا معي إلى خليفة المسلمين

فلما رآهم الخليفة بن عبدالملك

قال : ما الذى أتى بك يا خُزيمة وأنت حديث عهد بالولاية ؟؟

قال : أتيتك ب جابر عثرات الكرام وأظنك كنت متشوقاً لمعرفته،

فاندهش بن عبد الملك وقال : هل هو عكرمة ؟

خبت يا بن عبد الملك وتعجلت لقد أخجلتنا بطيب صنيعك وصبرك يا جابر عثراتالكرام.

فأمر لعكرمة بعشرة آلاف دينار وأعاد تعيينه والياً وقال : إن شئتما حكمتما معاً.

وظلا واليين مع بعضهما حتى توفاهما الله.


وفي الختام:

قال تعالى: ﴿قالَ وَمَن يَقنَطُ مِن رَحمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضّالّونَ﴾


وقيل:

"من مشى بين الناس جابرا للخواطر أدركه الله من المخاطر" .


تحياتي لكم 

وأدام الله عليكم السعادة والستر والعافية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ