أوس وخولة

 ٤٦- أوس وخولة. 


✍️ بقلم: عوض آل شائع  

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/١٠/١١هـ

🔗 سلسلة: وصال (٤٦)


دخل أوسٌ على زوجته خولة وهي تتهيأ للصلاة، فأرادها لنفسه، ولكنها ردّت عليه أن فرض الله لا يؤجَّل، فأقسم عليها إن صلّت قبل أن تمكّنه من نفسها فهي محرّمة عليه كظهر أمه، فصلّت فرض ربها غير خائفة من يمين زوجها. وكانت تلك المرأة #خولة_بنت_ثعلبة من ربّات البلاغة والفصاحة والجمال، وعاشت مع زوجها ابن عمها أوس_بن_الصامت حياةً فقيرةً معدمة، ولكنها كانت سعيدةً وراضيةً بما قسمه الله لها.


وما إن أنهت صلاتها حتى جاءها زوجها أوسُ مداعبًا، فنفرت منه، فاحتار وتملّكه الغضب، فقالت له: لقد جعلتني محرَّمةً عليك كأمك، هلمَّ بنا نذهب إلى الرسول ﷺ لننظر ماذا يقول في هذا اليمين؛ فهو من أقوال الجاهلية:

“أنت عليّ كظهر أمي”.


وكان هذا القول في الجاهلية أشدّ أنواع الطلاق، إذ لا رجعة للزوجة فيه إلى زوجها، وعُرف باسم (الظهار). ودخلت خولة على الرسول صلى الله عليه وسلم، شاكيةً إليه يمين زوجها، قائلةً له:

“إن أوسًا تزوّجني وأنا شابةٌ مرغوبٌ فيَّ، وبعد أن كبرت سني، ونثرتُ له ما في بطني، وكثر ولدي، جعلني كأمه، ولي منه صبيةٌ صغار، إن ضمّهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا، أكل مالي، وأفنى شبابي، حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي، ظاهر مني…”


قالت عائشة رضي الله عنها: ولم تزل تشتكي إلى رسول الله حتى بكيت، وبكى من كان معنا من أهل البيت رحمةً لها ورقّةً عليها، فبينما هي كذلك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلّمه، نزل عليه الوحي، ونفس خولة تكاد تخرج خوفًا من أن تنزل الفرقة والأمر بالطلاق.


وبعد أن نزل الوحي سُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبتسم، وقال:

“يا خولة!”

قالت: لبيك، ونهضت إليه قائمةً بفرح، فتبسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أنزل الله فيك وفيه -أي زوجها-، ثم تلا عليها قوله تعالى:


﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا…﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة المجادلة: 1-4).


ثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: مُرِيه أن يعتق رقبة.

فقالت: وأيّ رقبة؟ والله ما يجد رقبة، وما له خادم غيري.

فقال لها: مُرِيه فليصم شهرين متتابعين.

فقالت: والله يا رسول الله ما يقدر على ذلك.

قال: مُرِيه فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر.

قالت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنا سنعينه بعرقٍ من تمر.

فقالت: وأنا والله سأعينه يا رسول الله بعرقٍ آخر.

فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم:

“أحسنتِ وأصبتِ، فاذهبي فتصدّقي عنه، واستوصي بابن عمك خيرًا”.

قالت: فعلت.


وذات يوم، وبينما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه خارجًا من منزله أيام خلافته، استوقفته خولة طويلًا ووعظته قائلةً له:

•يا عمر، كنت تُدعى عُميرًا، ثم قيل لك عمر، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتّق الله يا عمر، فإن من أيقن بالموت خاف الفوت، ومن أيقن بالحساب خاف العذاب.


وعمر رضي الله عنه واقف يسمع كلامها بخشوع، فقيل له:

•يا أمير المؤمنين، أتقف لهذه العجوز هذا الوقوف كله؟!

فقال عمر:

والله لو حبستني من أول النهار إلى آخره ما تحرّكت إلا للصلاة المكتوبة.


ثم سألهم: أتدرون من هذه العجوز؟

قالوا: لا.

قال رضي الله عنه:

•هي التي قد سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أفيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟!


رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأرضاها.


جعلني الله وإياكم مع حبيبنا رسول الله وصحبه الكرام في جنة الفردوس الأعلى.


خاتمة:

تُظهر هذه القصة خطر الغضب وما يجرّه من كلماتٍ قد تهدم البيوت وتُعقّد الحياة، فكان التحذير منه واجبًا. 

كما تُجسّد عظمة صحابة رسول الله ﷺ في ردّ أمورهم كلها إلى الشرع، واحتكامهم إلى النبي في أدق شؤونهم. وفيها صورةٌ مشرقة لتعاطف الزوجة مع زوجها، إذ وقفت معه في أشد أزماته رغم ما أصابها. 

ويتجلّى فيها يُسر هذا الدين ورحمته، حيث شرع الكفارة على مراتب تُراعي حال الإنسان دون تعسير أو تنفير. 

وتبقى أخلاق عمر رضي الله عنه مثالًا في التواضع والإنصاف، إذ أنصت للحق وخضع له، مهما كان قائله.

وأخير عن أَبي هريرة: أَنَّ رَجُلًا قَالَ للنَّبِيِّ ﷺ: أَوْصِني، قَالَ: لا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: لاتَغْضَبْ، رواه البخاري.


وبهذا نتيقن أن الغضب بابُ كلِّ مفسدة، سواءٌ فيما يتعلق بالدين أو بأمور الدنيا، حمانا الله وإياكم منه.


هذا ولكم خالص تحياتي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ