الكرم: طبعٌ أم تربية؟

 ٤٥- الكرم: طبعٌ أم تربية؟ 


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/١٠/٠٤هـ

🔗 سلسلة: وصال (٤٥)


سؤال تتناقله الألسن: 

"هل الجود من الماجود ،وإلا ندى في العود؟"، لقد سُئلتُ هذا السؤالَ قبل سبعةٍ وثلاثين عامًا، وذلك من أحد أصدقائي المقرّبين – رحمه الله –، رغم أنه أميٌّ، إلا أنه كان كريمًا، وصاحبَ مبادئَ عظيمة.


تعريف الكرم والجود:

•الكرم: هو بذل النفس والمال، وغالبًا ما يقترن بمحاسن الأخلاق.


•الجود: هو العطاء وبذلُ المال دون طلب، ويعرف أيضا بـ (السخاء)،


وكلاهما من أخلاق الأنبياء والنبلاء، وأنفعُ ذلك ما صُرِف في وجه استحقاقه.


وقيل: 

إن الجود والسخاء والإيثار بمعنى واحد، غير أن بينها فروقًا دقيقة؛ 

فمَن أعطى بعض ماله وأمسك بعضه فهو صاحب سخاء، 

ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود، 

ومن آثر غيره بالحاضر وبقي هو في مقاساة الضر فهو صاحب إيثار. 

وأصل السخاء: السماحة.


الكرم في الكتاب والسنة:

الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير مبناه الثقة بالله تعالى، قال سبحانه:

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.


وقال تعالى:

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.


وقال تعالى:

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.


وقال تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.


وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:

«لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلّطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلّمها» (متفق عليه).


وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدّم، ومال وارثه ما أخّر» (رواه البخاري).


وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (متفق عليه).


وعن جابر رضي الله عنه قال:

«ما سُئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا» (متفق عليه).


فضل الكرم عند السلف:

قالوا: السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار.


وقال علي رضي الله عنه:

«ما جمعتَ من المال فوق قوتك فإنما أنت فيه خازنٌ لغيرك».


وقال بعض السلف:

«منع الموجود سوء ظن بالمعبود».


الكرم في الأدب العربي:


وجد مكتوبًا على حجر:

«انتهز الفرص عند إمكانها، ولا تحمل نفسك همَّ ما لم يأتك، واعلم أن تقتيرك على نفسك توفيرٌ لخزانة غيرك، فكم من جامعٍ لمالٍ لغيره».


وقال بعض الحكماء:

«أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام، وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه».


ومن أصدق ما قيل: 

إن الكرم هو العطاء بلا مقابل، وهو حارس الأعراض، وسيد الأخلاق، وأعطف من الرحم.


نماذج من كرم العرب:

كان الكرم من أبرز الصفات التي يتباهى بها العرب، ومن أشهرهم حاتم الطائي، إذ يقول مخاطبا زوجته:


مهلًا نوارُ أقِلِّي اللومَ والعَذَلَا//ولا تقولي لشيءٍ فات ما فَعَلَا.


يرى البخيلُ سبيلَ المال واحدةً//إن الجوادَ يرى في ماله سُبُلَا.


ورُوي أن الأشعث بن قيس أرسل إلى عدي بن حاتم يستعير قدورًا كانت لأبيه، فملأها مالًا، وقال: «إنا لا نعيرها فارغة».


ومن أخبار قيس بن سعد: أنه كان يطعم ضيوفه ولا يُبقي لهم طعامًا بات، فلما أراد بعضهم مكافأته ردّ عليهم المال، وعدّه ثمنًا للقرى لا يقبله.


موقف الإسلام من الكرم:


• يُعد الكرم والجود في الإسلام من أرقى الأخلاق الإيمانية؛ إذ لا يقتصر على بذل المال، بل يشمل الجود بالنفس والوقت والجاه، وقد تجلى ذلك في بعض قصص الإيثار التي نقلت إلينا خصوصا في الحروب والأسفار .


•الكرم صفة ربانية ونبوية؛ فالله سبحانه جواد كريم، والنبي ﷺ كان أكرم الناس.


•الكرم منطلق إيماني؛ لا يُراد به السمعة أو المباهاة، بل ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.


آداب الكرم وضوابطه:

يقوم الكرم في الإسلام على ميزانٍ دقيق؛ فلا يَضُرُّ بالإنسان ولا بأهله، ولا يكون من مالٍ حرام، ولا يُقصد به الرياء، بل يكون خالصًا لله تعالى، يُبذَل لمن نعرف ومن لا نعرف، ومع الكبير والصغير، والمقيم وابن السبيل.

ومن هنا يُؤخَذ على بعض الممارسات ــ وهي قليلة ــ ما يقع فيها من مبالغةٍ وإسرافٍ في بعض المناسبات والاحتفالات باسم الكرم، بينما تُقام في حقيقتها لمقاصد وغايات دنيوية محضة؛ مما يُخرج الكرم عن مقصده، ويُفقِده جماله واعتداله.


من فوائد الكرم:

يورث الكرم محبة الله والناس، ويطهر النفس من الشح، ويجلب البركة في الرزق، ويحقق التكافل الاجتماعي، ويكون سببًا للأمان يوم القيامة.


من صور الكرم:

•بر الوالدين والإحسان إليهما، وهو تعبد أيضا.

•صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب.

•إكرام الجار والضيف.

•بذل المال والعلم والنصيحة.

•حسن الخلق.

•بذل الوقت والجهد في خدمة الناس، وقضاء حوائجهم، وقد يكون ذلك من أهم صور الكرم خصوصا في وقتنا الحاضر لما تتطلبه بعض أمور الحياة .


ذم البخل ومدح الكرم:

ثبت أن البخل يُظهر عيوب الإنسان، وأن السخاء يستر نقائصه، وعليه قال الشاعر:


ويُظهِرُ عيبَ المرءِ في الناس بُخلُهُ//ويَستُرُهُ عنهم جميعًا سَخاؤُهُ.


تَغَطَّ بأثوابِ السخاءِ فإنني//أرى كلَّ عيبٍ والسخاءُ غِطاؤُهُ.


أمّا الأخطل فقد هجا أحدَ الأقوام البخلاء هجاءً قاذعًا جدًّا، ومن شدّة كرهي للبخل وأهله أقول: لقد أبدع الأخطل، حين قال:


قومٌ إذا استنبحَ الأضيافُ كلبُهمُ//قالوا لأمِّهمِ: ……. على النارِ.


فتُمْسِكُ …….. بُخلًا أن تجودَ بهِ//وما ………. لهم إلا بمقدارِ.


نعم، في زمننا هذا من يستحقّ أن تُوجَّه إليه مثلُ هذه الأبيات، فتبًّا للبخل وأهله.


لقد تعوّذ رسولُ الهدى ﷺ من جملةٍ من المثالب، كان من أبرزها البخل؛ إذ هو داءٌ عضالٌ مُقلق، قد يستحكم في النفس حتى كأنّه يسري في العروق، ويصعب التخلّص منه. وممّا يُؤسف له أنّه قد يُرى أحيانًا متوارثًا في بعض العائلات، أو يصيب الشخص نتيجة أثرٍ وراثيٍّ بعيد، أو ظروف معينة.


وقفة:

بالإضافة إلى ما سبق، فإنَّ سوء الخُلُق، أو ما يُوصَف ببُخلِ المشاعر والقسوة في تعامل الإنسان مع عامة الناس، أو مع من تحت يده من موظفين وعمال، أو مع أهل بيته من نساء وشباب وأطفال على وجه الخصوص، يُعَدُّ منقصةً ظاهرةً لا تُقبل، وخللًا بيِّنًا في كمال الأدب والمروءة، بل في نظري أنه سنام البخل وقلة الحظ وعدم التوفيق .

نسأل الله العافية.


خاتمة:

الكرم خُلُقٌ جامعٌ للفضائل، وهو من كمال الإيمان، ودليلُ حسن الظن بالله، والزهد فيما عند الناس. يرفع صاحبه قدرًا، ويقرّبه من القلوب، ويقلّل خصومه لعموم نفعه.

وهو سببٌ لحسن الذكر، ودليلُ كمال النفس، يُعزّز التكافل والتراحم، ويوافق الفطرة السليمة. كما يجلب البركة، ويُزكّي النفس، ويطهّرها من الشح، ويسدّ حاجات المحتاجين.

فالكرم صفةُ كمالٍ، وعنوانُ رُقيّ، وأثرٌ باقٍ في الحياة وبعد الممات.

ويمكن القولُ إنَّ الكرمَ طبعٌ متأصِّلٌ في النفس، كما يُكتسَب بالحياء، وبمخالطةِ الكرماءِ والتأثُّرِ بهم، وبسَعةِ المال.

نسأل الله السداد.


هذا وتقبلوا خالص التحية والتقدير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ