ناكر الجميل
٣٧- ناكر الجميل
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ٠٧/ ٠٨ / ١٤٤٧ هـ
🔗 سلسلة : وصال (٣٧)
تمهيد:
جميلٌ أن يتناقل النبلاء بعض ما يُكتب، إمّا إضافةً، أو تصحيحًا، أو تعزيزًا؛ فصاحب الشأن الرفيع لا يُنتظر منه إلا الخير. وهذا ما لمسته وأعترف به، وأنا في خواتيم سلسلةٍ حدّدتُ عدد حلقاتها بخمسين حلقة.
ومن أمثلة ذلك ما وردني من الرفيق الغالي الأستاذ سعد بن سعيد آل جخران، المقيم حاليًا في المنطقة الشرقية، حيث بعث إليّ قائلًا:
مساء الخير… كيفك وكيف الأسرة جميعًا؟
أرسلتُ المقطع الذي بعثته اليوم لأحد الزملاء والأصدقاء في الدمام، وهو شاعروراوٍ، فردّ عليّ بهذه القصة، فإن رأيت إضافتها إلى مؤلفاتك فلك ذلك.
تحياتي.
القصة:
لولوة بنت عبدالرحمن العرفج
زوجة أمير بريدة حجيلان بن حمد آل أبي عليان العنقري التميمي
تتلخّص قصتها في أنه بعد سقوط الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ، ورحيل إبراهيم باشا، حرص الأخير على اصطحاب بعض الشخصيات المؤثرة والمناصرة لآل سعود كرهائن، وكان من بينهم أمير القصيم حجيلان بن حمد آل أبي عليان، فألزمه بمرافقته إلى القاهرة.
حاول حجيلان الاعتذار لكِبَر سنّه الذي قارب التسعين، وخشيته على ابنه الوحيد عبدالله من أبناء عمومته المنافسين له على الإمارة، إلا أن إبراهيم باشا جمعهم، وعيّن عبدالله بن حجيلان أميرًا على بريدة، وألزمهم جميعًا بالقَسَم على المصحف بالطاعة.
رحل حجيلان مع إبراهيم باشا إلى القاهرة للإقامة الجبرية، غير أنه توفي في الطريق بالمدينة المنورة.
الفاجعة:
حين أيقن أبناء العمومة بابتعاد حجيلان، تسلّلوا ليلًا إلى قصر أمير بريدة الجديد عبدالله بن حجيلان، وقدّموا رشوةً لحارس بوابة القصر، واسمه عبّاد.
وكان عباد قد وُجد رضيعًا مجهول الأبوين، فربّاه حجيلان وأكرمه حتى شبّ وكبر، لكنه ردّ هذا المعروف بالخيانة، إذ فتح الباب لأعداء ابن سيده بعد أن أغروه بالمال.
صعدوا إلى سطح القصر حيث كان الأمير نائمًا مع زوجته، واحتاروا في التمييز بينه وبينها؛ إذ كان شابًا لم ينبت شعر وجهه، طويل الشعر، حتى تأكدوا منه وقتلوه غدرًا.
فُجعت لولوة العرفج باغتيال ابنها، فقالت في عباد:
يا حيف عبدالله طريحٍ لعبّاد
ولد الزنا… يا ليتنا ما غذّيناه
وقالت في قاتل ابنها رشيد سليمان الحجيلان:
الديرة اللي شاخ فيها طويلان
تنعاف… لو ذاري نفوده زمرد
إن كان ما خذّتنا القِضا من سليمان
لا بدكم من سطوته… يا لمقرد
كانت لولوة في الأربعين من عمرها، ولها أربع بنات وولد واحد، هو الابن الوحيد لحجيلان؛ إذ اقتصرت ذريته على البنات، فكانت فاجعتها مضاعفة بوفاة زوجها وابنها في شهرٍ واحد.
الثأر:
تواصلت لولوة مع عبّاد، وعاتبته على غدره، وذكّرته بأنها ربّته كالأم، وأن حجيلان أكرمه، ثم أغرته بالمال ليفتح لها باب القصر لتأخذ بعض أغراضها.
وحين انتصف الليل، جاءت إلى القصر ومعها وصيفاتها، وقد درّبتهن على القتال، ففتح عباد الباب دون أن يشعر أحد.
فما إن دخلت حتى سلّت سيفها وضربته، فقطعت رأسه جزاء خيانته.
ثم تسللت إلى غرفة البارود والسلاح، وهي أعلم الناس بتفاصيل القصر، فأشعلت النار في البارود، فكان دويّ الانفجار هائلًا، اهتز له القصر وبريدة بأكملها، وقُتل من كان على السطح.
أما من نجا، فقد اندفع هاربًا عبر الدرج تحت هول الصدمة، وكانت لولوة العرفجية تنتظرهم في الظلام، تستقبلهم بسيفها واحدًا تلو الآخر، فيما تُجهز وصيفاتها على الجرحى بخناجرهن، حتى قضت على الأمير ومن معه، وأخذت بثأرها كاملًا.
يقول *عبدالله العلي الرشيد*:
عيسى يقول الحرب للمال نفاد
انشد مسوي السيف هو ليش حانيه
إن كان ما ناصل ونضرب بالأحداد
هبيِت ،،،،ياسيفٍ طوى الهم راعيه
إن كان ما نرويه من دم الاضداد
*كزّوه ،، يم العرفجيه ،،،ترويه*.
خاتمة:
أصبحت بسالة لولوة العرفجية وشجاعتها مضرب مثل، وذات صدى واسع في الجزيرة العربية، شاهدةً على أن المرأة العربية، حين تُستفز في كرامتها، قد تتحول من موضع الفاجعة إلى رمزٍ للقوة، ومن صورة الحزن إلى عنوانٍ للثأر والعدل في زمنٍ قاسٍ لا يرحم الضعفاء.
شكرًا لكم، وشكرًا للأستاذ سعد ولصديقه.
ونسأل الله الرحمة للشيخة لولوة بنت عبدالرحمن، ولزوجها، وولدها، ولجميع موتى المسلمين.
ولا نامت أعين الجبناء، والخونة، وناكرِي الجميل؛
فكما عذّبهم ربّي في الدنيا، فإنهم سينالون جزاءهم العادل في الآخرة.
قاتلهم الله.
هذا ولكم خالص تحياتي وتقديري.
تعليقات
إرسال تعليق