همَمٌ تُعَانِق السَّمَاء، د. آل عَبْدالمُتَعَالِي
٣٦- همَمٌ تُعَانِق السَّمَاء، د. آل عَبْدالمُتَعَالِي
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ٣٠ / ٠٧ / ١٤٤٧ هـ
🔹 سلسلة : وصال (٣٦)
قصة كفاح أنقلها عن بطلها شخصيًا (زميل عمل ودراسة).
الدكتور / إبراهيم بن محمد آل عبدالمتعالي – رحمه الله.
في ثمانينيات القرن الهجري الماضي، كان هناك أبوان يمتلكان قدرًا يسيرًا من العلم، غير أنهما أحسنا استثماره على خير وجه؛ إذ شرعا في تعليم ابنهما الأول مبادئ القراءة والكتابة والحساب منذ أن بلغ الثالثة من عمره.
وما إن حان وقت التحاقه بالصف الأول الابتدائي، حتى كان يمتلك كمًّا من المعارف يفوق سنّه، قابله بقلب فطن وعقل راجح وتفكير متقد. عندها وضع لنفسه هدفًا ساميًا، ينافس به أقرانه، بل يزاحم عمالقة الرجال؛ وهو ما لمسته لاحقًا بنفسي من خلال معرفتي به عن قرب.
كان ذلك في زمنٍ سادت فيه الأمية، حتى إن من يُجيد القراءة والكتابة يحظى بمكانة عالية داخل أسرته ومجتمعه، إذ كان الإنسان الأمي يبحث عمّن يكتب له رسالة، أو يصوغ له وثيقة صلح، وقد لا تُحلّ معضلته إلا بالانتقال بين القرى بحثًا عمّن يملك هذه المهارة.
إنه زمن ارتقت فيه قلّة من الأفراد، بل أسر تُعدّ على أصابع اليد الواحدة، في مجتمع يكتظ بأعداد هائلة من البشر، والسبب أنهم تعلّموا على يد الجدّ، “معلّم الكتاتيب”، قراءة المصحف وأساسيات الحساب لا غير.
حتى أصبحوا آنذاك منارات للمعرفة، يُقصدون من القريب والبعيد، ويتصدّرون المجالس، ويُنظر إليهم وكأنهم خُلقوا من نور لا من تراب.
نعم، كان مجتمعًا عظيمًا في كرمه ومبادئه وشجاعته وفراسته وتجربته وخبراته المتنوعة، غير أنه مجتمع غير متعلّم، فانبهر بتلك المهارات التي لم يُتح له اكتسابها بسبب الفقر والترحال وقلة ذات اليد وغياب المدارس النظامية.
سيرة تعلّمه الأولى وأحداثها:
التحق ذلك الشاب بالصف الأول الابتدائي في المدرسة النظامية بقريته عام ١٣٨٩هـ، غير أن حضوره الذهني، وما تختزنه نفسه من علم ومعرفة، دفع إدارة المدرسة ومعلميها إلى التفكير في رفعه إلى الصف الدراسي المناسب لقدراته، وكان النظام آنذاك يجيز ذلك.
وخلال أسبوعٍ واحد، تدرّج من الصف الأول إلى الصف الرابع الابتدائي؛ إذ كانت همته وقدراته تؤهله لأكثر من ذلك، إلا أن النظام حدّ التدرج الممكن. فمكث في المرحلة الابتدائية ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى المرحلة المتوسطة، واجتازها بتفوق خلال ثلاث سنوات أخرى.
وكانت عينه تتطلع دائمًا إلى أقرب الطرق نفعًا لوالديه قبل نفسه، يحمل همّ الارتقاء بهما، وردّ بعض جميلهما، وهو ما سمعته منه شخصيًا. فسجّل في الصف الأول بـ المعهد العلمي الثانوي بأبها انتظامًا، وفي الوقت ذاته سجّل في الثانوية الأولى بأبها انتسابًا، وفق نظام “الثلاث سنوات في سنة واحدة”.«على قدر أهل العزم تأتي العزائم».
وكان من توفيق الله أن النظام التعليمي حينذاك يفرّق بين اختبار النقل واختبار الشهادة، ما أتاح له فرصة نادرة. فأدّى اختبار المعهد العلمي مع اختبارات النقل، ثم تفرّغ لاختبارات الثانوية العامة.
وخلال أدائه للاختبارات، تبيّن لإدارة المدرسة أن حالته تخالف شرطًا نظاميًا يقضي بمرور ثلاث سنوات على اجتياز المرحلة المتوسطة، وكاد يُحرم من إكمال الاختبار، إلا أن هدوءه وحكمته مكّنته من إقناعهم بإكمال ما تبقى بين يديه ذلك اليوم، ثم مراجعة الجهة المختصة.
توجّه مباشرة إلى مدير تعليم منطقة عسير آنذاك، شارحًا وضعه، ومستندًا إلى كونه أنهى أكثر من 90٪ من الاختبارات، وأن الخطأ إداري لا تعليمي. وكان المدير — رحمه الله — رجل دولةٍ صاحب قرار، فكتب عبارته الحاسمة:
«يمكن من إكمال اختباراته، فإن اجتاز المرحلة فله ذلك، وإلا فيُطبّق عليه النظام».
وكان ذلك فرجًا من الله، إذ اجتاز المرحلة الثانوية في سنة واحدة، إضافة إلى الصف الأول بالمعهد العلمي.
المسيرة الجامعية والعملية:
انتقل بعدها إلى فرع جامعة الملك سعود بأبها، حيث قُبل — لغياب التقنية وحداثة الفرع — في قسم الكيماء، خطأً، رغم أن مؤهله أدبي. إلا أنه أثبت كفاءة عالية، وقطع عدة فصول دراسية بتفوق، مستفيدًا من الدراسة الصيفية، إلى جانب عمله معنا في البريد المركزي بأبها طوال أربع سنوات، جامعًا بين العمل والدراسة بهمة لا تعرف المركز الثاني.
وعندما تنبّه رئيس الأقسام العلمية إلى الخطأ، حاول إقصاءه، غير أن تدخل عميد كلية التربية، كما سن مدير التعليم سابقا، حسم الأمر، فواصل دراسته حتى تخرّج خلال ثلاث سنوات ونصف فقط، بتقدير جيد جدًا، وهو إنجاز نادر في مثل ظروفه.
ثم عمل معلمًا للكيمياء فترة وجيزة، ورُشّح مشرفًا تربويًا، ثم ابتُعث لدراسة الماجستير في علوم الحاسب، وتلاه حصوله على الدكتوراه. بعدها عُيّن مستشارًا في مكتب وزير التعليم محمد الرشيد — رحمه الله —، ثم رئيسًا لقسم الحاسب الآلي بكلية المعلمين بأبها.
خاتمة:
التقيته بعد انقطاعٍ دام قرابة ثلاثين عامًا؛ لقاءً دافئًا، تعانقنا فيه طويلًا، وتبادلنا الذكريات، ولم يكتب الله لنا لقاءً آخر، إذ بلغني بعد ذلك خبر وفاته، فكان صادمًا وموجعًا.
غير أن سيرته بقيت حيّة في نفسي، أستحضرها كلما أردت شحذ الهمم، وتحفيز الشباب، والدلالة على أن الفقر، والظروف، وبدايات الطريق الصعبة، لا تقف حائلًا أمام من امتلك العزم، وتوكّل على الله.
رحمه الله رحمةً واسعة، وبارك في ذريته، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته.
هذا ولكم خالص تحياتي.
تعليقات
إرسال تعليق