الفارس: مفضي الأحمدي
١٥- الفارس: مفضي الأحمدي.
✍️ بقلم: عوض آل شائع
📝 جمع وإعداد
📅 التاريخ: ١٤٤٧/٣/٠٢
- سلسلة: وصال (١٥)
بيته الشهير:
ياحمود يظهر لك صديق من القوم//ويظهر من الربع الادنين عدوان.
——————
في زمنٍ مضى، من أرض الحناكية، نزح الفارس الشجاع مفضي بن ولمان الأحمدي مضطرًا، بعد أن نشب خلاف أدى إلى قتل رجل من عشيرته، فلم يتمكن من دفع الدية، ولجأ – كما جرت العادة بين العرب – إلى الرحيل، اتقاءً لثأرٍ محتوم.
اتجه إلى جبل رمان، واستقر في قرية الصداعية، التي يسكنها فخذ العليان من قبيلة شمر، وهناك أخفى اسمه وهويته، عمل راعيًا لإبل أمير القرية، وعاش حياة الكفاف والكتمان، مطيعًا، أمينًا، مؤديًا عمله في صمت ورضا.
وقد خدمتْه عادات العرب الأصيلة، حيث لا يُسأل الجلاوي عن نسبه أو ماضيه إذا لجأ إليهم، احترامًا لجواره وأمانه.
الموقف الفاصل:
ذات يوم، خرج مفضي إلى المرعى كعادته، وفيما هو هناك، هاجم غزاة طرف الحمى، وساقوا معهم إبل ابنة الأمير. صرخت الفتاة مستنجدة، غير أن أحدًا لم يجبها، حتى ابن عمها المسلح، تردد عن المواجهة.
لكن روح الفروسية التي تجري في دم مفضي لم تحتمل هذا المنظر، فاندفع كالسهم، يقاتل المغيرين بشجاعة نادرة، مجندلًا عددًا منهم، صارخًا بأعلى صوته:
“أنا الأحمدي! أنا الأحمدي!”
استعاد الإبل، وغنم خيول الغزاة، وساقها إلى الفتاة، ثم عاد ببساطة إلى عمله في رعاية الإبل، وكأن شيئًا لم يكن.
الاعتراف والرفعة:
عند عودته إلى القرية، سرت أخبار بطولته بين الناس، وتجمّع الجميع في مجلس الأمير. طلبت ابنته الإذن بدخول المجلس – وكان مليئًا بأقاربها – فأذن لها، فدخلت وأشارت إلى مفضي أن يقوم من عند المعاميل، ويجلس عن يمين الأمير، ثم قالت:
جاك الهوى مني بعشقٍ من الراس//لاعاد ما تبخل بروحك عليه.
يا مثبت العزوة ويا مروي الكاس//يا منتخي بالعزوة الأحمدية.
فرد عليها مفضي بأبيات تفيض مروءةً واعتزازًا:
مالي هوى يا بو ثمان كما الماس//يا بو خديد كنه النافعيه.
حالك على القر وحالي على الياس//يا طول ما قضيت دينٍ عليّه.
ماني من اللي همه البطن ولباس//ولا عندهم بالطيبة والردية.
حينها، علم الأمير ومن حوله أنه جلاوي يحمل دية دم، فقرروا الوقوف معه، وجمعوا له الدية، وسددوها لأهل القتيل، فأصبح حرًّا كريمًا بينهم، وتزوج ابنة الأمير، وعاش بينهم فارسًا عزيزًا.
حمود… وصدمة الانتماء:
رزق مفضي بابنه حمود، الذي نشأ بين أخواله في الصداعية، إلى أن اختلف ذات يوم مع بعض الصبية، فقال له أحدهم: “أنت لست منا”.
عاد حمود إلى أبيه حزينًا، فروى له ما جرى، فقال له مفضي بحزم:
يا حمود عن ديرة خوالك جلينا//شف دلّوهم من يمنا تزحم الجال.
لاعاد ما قربك يحشم علينا//شوري عليك تقلط الزمل نشتال.
ورحل معهم إلى ديار قبيلته قرب الحناكية، لكنه لم ينسَ ذكريات طفولته، ولم تغادر قلبه أرض جبل رمان، ولا وجوه العليان.
الحنين والشوق:
بعد زمن من الرحيل، أشتد الحنين في قلب مفضي، فأنشد يخاطب غنام، وهو صقره المفضل:
غنام وين ربوعك الغانمين//تلقى العلف بمرباعهم دب دومي.
اقطع سبوقك وانهزم يا حزين//لربوع بين الفارعي والقدومي.
يا حلو منزل على الشعبتين//لي قيل جضع مرسمته الوسومي.
ولم يقوَ على البعد أكثر، فخاطب ابنه قائلًا:
يا حمود شد الزمل نرحل عن الدوم//نبي عربنا يم أطاريف رمان.
يا حمود ما والله علينا بها لوم//ما استانس إلا وسط نزل العليان.
ما كني إلا عندهم باشه من الروم//أرجح بميزاني على كل ميزان.
الله نشد يا حمود عن معرفة يوم//وحنا ثمان وعشر يا حمود جيران.
يا حمود يظهر لك صديق من القوم//ويظهر من الربع الأدنين عدوان.
الختام
عاد مفضي بن ولمان الأحمدي إلى الصداعية التي أحبها، وأمضى فيها بقية عمره فارسًا مكرمًا. توفي فيها، وما زالت آثار سكنه ومروءته شاهدةً على زمن الفروسية والمروءة في جبل رمان.
⸻
خلاصة القصة:
هذه القصة نموذج للفروسية العربية، والوفاء، والكرم، والاعتزاز بالهوية.
فيها من دروس الحياة ما يُغني عن كتب كثيرة:
•الشرف لا يُخفى ولو حاول صاحبه.
•الخير لا يضيع أبدًا.
•الكرم والشجاعة طريق إلى القلوب.
•والأصالة لا تغيّرها الظروف ولا المناف.
لكم كل الود والتقدير والأحترام.
تعليقات
إرسال تعليق