الشاعرة: موضي الدهلاوية

٤٠- الشاعرة: موضي الدهلاوية


✍️ بقلم: عوض آل شائع 

📝 جمع وإعداد

📅 التاريخ: ١٤٤٧/٠٨/٢٨هـ

🔗 سلسلة: وصال (٤٠)


قصة الشيخ الفارس: جديع بن منديل،

وزوجته الشاعرة: موضي الدهلاوية.

حين تغزّلت به شعرًا


الشيخ الفارس جديع بن منديل بن هذّال، الملقب براعي: راعي الحصان، وهو أحد فرسان زمانه المشهورين بكثرة غزواته وغاراته المتتالية؛ إذ كان يمكث في الغزوة الواحدة نحو سبعة أشهر.

وكان الشيخ جديع متزوجًا من الشاعرة موضي الدهلاوية، التي أحبّته حبًّا صادقًا، وتغزّلت به شعرًا، وافتخرت بكثرة معاركه وانتصاراته على الأعداء.


وفي إحدى غزواته، وصلتها البشائر وهي في الرسّ، بأن زوجها القائد الفذ قد انتصر في مغزاه، وأنه مقبلٌ عليهم سالمًا معافى، بعد فراقٍ بدا لها طويلًا.


ولما كان الشعر في ذلك الزمان أهم وسائل التواصل، ولا سيما الشعر الجزل الذي تتناقله الألسن والركبان، وينتشر بين العرب انتشار النار في الهشيم؛ فقد كانت له مكانة عظيمة، يرفع أقوامًا ويخفض آخرين، ويُشعل حروبًا ويُطفئ أخرى، ويقرّب القلوب أو يباعد بينها.


ولذلك كان العربي يرى أن من لا يقدر مكانة الشعر والخيل فليس بعربيٍّ خالص الطبع.


نعود إلى الزوجة المحبة موضي الدهلاوية؛ فقد نظمت قصيدةً تفتخر فيها بزوجها الفارس، تمدحه وتتغزل به، وتلمّح بأبياتٍ لطيفة رقيقة، إلا أن القصيدة ما لبثت أن انتشرت انتشارًا بين الناس، وأصبح كلٌّ يتغنّى بها، وقد قالت فيها:


ياراكب حيل ابروسه لجاجه//امظريات للمساري والادلاج.


لا روحن بالدو كن إنزعاجه//سفنن حداها بالبحر بعض الامواج.


سفن البحر سود بروسه فجاجه//وارقابهن زعاج من يبس الامواج.


تلفون شيخٍ نازلٍ بالعجاجه//اجديع اللي للمجاويخ زعاج.


سلم على اللي راح للحول ماجه//وقله خويك ضايق الصدر واعلاج.


وقل لابن وايل كان وده ايواجه//القيض فات وبارق الوسم زعاج.


حطيت لك ريش النعامه أولاجه//والبطن لك يامدبس الخيل مسهاج.


امي توصيني عن الانزلاجه//وقلبي اليا جاء طاري البدو ينفاج.


أمي تقول أن التمني سماجه//وأقول أنا بعض التمني به أفراج.


ولهذا ردَّ الشيخ جديع بن هذّال على قصيدة زوجته موضي الدهلاوية بقصيدةٍ مماثلة، وقد تضمَّنت طلاقه لها؛ إذ رأى أنها تغزَّلت به، وأصبحت قصيدتها حديثَ الرجال، تتناقلها الألسن في المجالس والمحافل.

فقال في قصيدته:


يا راكب حيل ٍ الى لجلجني//عوص لهن مع نازح البيد مرمال.


الى مشن مديدهن ما يوني//لكن حاديهن مع الدو خيال.


والظهر عند صويحبي بركني//والعصر عند صخيف اللون مقيال.


لاجيت موضي يامناي ومظني//وصل سلامي لبنت ماضين الافعال.


::وقله تراها طالق الحبل مني//اللي قصيده يلعبه كل رجال.


نرى في البيت الأخير أن الشيخ جديع بن هذّال طلّقها لأمرٍ لا يستحق أن تُجازى عليه بمثل هذا الجزاء القاسي.


ومن هنا تتبيّن للقارئ ملامح شخصية جديع؛ شخصيةٌ قوية، حادّة الطبع في الوقت ذاته، يتّسم صاحبها بالتسرّع في اتخاذ القرار حين تمسّ الأمور ما يراه مساسًا بكرامته.


وعقب هذه القصيدة، ردّت عليه موضي الدهلاوية بقولها:


حي الجواب وحي منهو جوابه//ياشيخ يا مكدي غثيثين الاجناب.


يا شيخ والله ما مشيت بمعابه//ولا خايلت عيني على كل نصاب.


وأن كان قولي فيك كلن حكابه//عرضي نزيه ولا حكى فيه هزاب.


ارجيك رجوى البادية للسحابه//وجازيتني في كلمة ٍ مالها أسباب.


هذا النصيب وما بغى الرب جابه//وان صك باب العبد عند الولي مية باب.


نعم، عاد الشيخ جديع بن هذّال إلى رشده، وندم على فعلته، وأراد أن يردَّها زوجةً له، إلا أن ذلك كان بعد فوات الأوان؛ وبعد أن انكسر القلب، وخبا نور الحب. وقد ردَّت مرسليه بما لم يكن يتوقَّعه، إذ رفضت ذلك بقوَّةٍ وعزَّة نفس، وقالت:


جديع يومنه بغاني بغيته//ما طمحوني عنه كثر العشاشيق.


واليوم يومنه رماني رميته//رمية وضيحيٍ رموه التفاقيق.


جديع أنا حرمت مسّكان بيته//الا مغيب الشمس يرجع لتشريق.


ولا أن صوت الحي يوحيه ميته//أو ينبلع سم الحيايا على الريق.


عسى يجيني شيخ يسمع بصيته//سنافي يعطي من طوال السماحيق.


وبعد طلاقها، ولا سيما بعد البيت الأخير من قصيدتها، سمع بها الشيخ مجلاد بن فوزان، وما قالته في خاتمة شعرها، فتقدّم لخطبتها وتزوّجها.


وقفة:

أرادت موضي أن تُسدي معروفًا لزوجها ومعشوقها، الذي كانت تترقّب عودته على أحرّ من الجمر، سالمًا معافى ومنتصرًا.

غير أن كِبَر النفس، ووساوس الشيطان، والتعجّل في اتخاذ القرار، اجتمعت لتقلب معروفها في ذهنه إلى صورةٍ مشوَّهة، فاهتزّت مكانتها في نفسه، حتى أقدم على أبغض الحلال، وشمّت بها الأعداء والحاقدون.


ولا نجد أبلغ من أبياتها تعبيرًا عن عزة النفس والكرامة، وعن كيفيّة تحوّل المحبة إلى بُعدٍ سحيق بين الأجساد والأنفس والقلوب، ولو كان ذلك على جسد محبةٍ قُتلت ثم مُثِّل بها، كما فعل جديع، رغم ندمه.


جديع أنا حرمت مسّكان بيته//الا مغيب الشمس يرجع لتشريق.


ولا أن صوت الحي يوحيه ميته//أو ينبلع سم الحيايا على الريق.


الختام:

نعم، حافظوا على من أخلص لكم الود، وصدق في محبته، وضحّى بالكثير من أجلكم، ولا تستهينوا بقلوبٍ أحبتكم واحتوتكم، ولو ابتُليتم بسوء الظن ورداءة التقدير.

فالحرّ — رجلًا كان أو امرأة — لا يعود إلى موضعٍ خُذل فيه، وليس كل قلبٍ يقوى على البقاء بعد الانكسار، ولا كل محبةٍ تُجيد النهوض بعد الخذلان.

فبعض الرحيل ضرورةٌ تفرضها الكرامة، وبعض الفقد لا يُعوَّض؛ لأن ما انطفأ خبا حين طُعن من أقرب موضعٍ إلى القلب.


هذا ولكم مني خالص الود والتقدير.


تعليقات

  1. لا تختبروا صدق من يحبكم بالقسوة،
    ولا تعاقبوا الوفاء بسوء الظن،
    فبعض القرارات إذا اتُّخذت لا يُصلحها الندم،
    وبعض القلوب إذا غادرت لا تعود لأنها لم تعد تثق بالمكان الذي انكسرت فيه.
    تمهّلوا قبل أن تخسروا من لا يُعوَّض،
    فليس كل نادمٍ يُمنح فرصةً أخرى،
    وليس كل مُحبٍّ إذا كُسر يختار البقاء .

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقدير كبار السن.

كرامة ودهاء

مكانة وقيادة عبر التاريخ